عقيدة الإحاطات الخمس في آية الكرسي وتوحيد الأفعال | دراسة عقدية من كلام الشيخ جابر بغدادي
إن القارئ لآية الكرسي، يا ولدي، لا يتلو مجرد أحرف، بل يدخل في كنف خمس إحاطات ربانية تؤسس لأصل العقيدة الصافية في قلبه. فلما تقرأ آية الكرسي بيقين، وتغوص في بحار معانيها، هتعرف وتوقن بعين البصيرة أن ما من سبب في هذا العالم، سواء في العوالم العلوية أو السفلية، يتحرك أو يسكن إلا بأمر الله ومشيئته المطلقة. وتلك هي نواة "توحيد الأفعال"؛ حيث تدرك يقيناً أن كل المعطلات في مسيرة حياتك لا يستطيع تشغيلها، ولا يملك تحريكها وتيسيرها إلا الله سبحانه وتعالى. وهنا يجب أن نقف وقفة تحقيق عقدي دقيق؛ لكي لا تزل قدم بعد ثبوتها، ولكي تتضح معالم عقيدة أهل السنة والجماعة جلية بيضاء. فإقرارنا الجازم بأن الله وحده هو محرك الكائنات، وأن الأسباب لا تستقل بالتأثير، لا يعني بحال من الأحوال الركون إلى عقيدة "الجبرية" الباطلة، التي تسلب العبد إرادته وتدفعه لترك العمل والتقاعس عن الأخذ بالأسباب. بل إن عين التوحيد وكمال العقيدة يتمثل في أن تبذل الجهد وتأخذ بالأسباب الظاهرة بكل جوارحك، بينما يكون قلبك فارغاً من الاعتماد عليها، معتمداً بالكلية على مُسبِّب الأسباب سبحانه. وقد كان أئمة التحقيق وعلماء الأمة، كالإمام الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) (حجة الإسلام ومجدد علوم الدين)⁽¹⁾، يؤكدون دوماً في تحريرهم لمسائل الاعتقاد على هذا الضبط المنهجي الدقيق؛ إذ لا ركون إلى الأسباب تهميشاً للمسبب، ولا ترك للأسباب ادعاءً لتوكلٍ زائف. ولتأكيد هذا المعنى في تفرد الله بالنفع والضر، نستلهم النور من وصية سيد الخلق صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما، حيث وضع قاعدة الإيمان بالقدر قائلاً: «ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى عليك»⁽²⁾. فهذا الحديث يرسخ في وجدانك أن الخلق جميعاً محكومون بقبضة الخالق، وأن الضر والنفع بيده وحده، فترتاح النفس ويسلم القلب لربه. عقيدة الإفراد واللجوء وقت الشدائد ومن أروع ما يجلّي فقه العقيدة ويوضح تهافت الشرك، ما ذكره الشيخ جابر بغدادي من حوار النبوة الذي يخاطب الفطرة. فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم حصيناً رضي الله عنه، ليعيد توجيه بوصلته نحو توحيد الألوهية والربوبية معاً، قال له: كم من الآلهة تعبد؟ قال الرجل الذي كان غارقاً في مفاهيم الشرك: سبعة. قال: ستة في الأرض وواحد في السماء. فسأله النبي الأكرم بسؤال يوقظ العقيدة الكامنة في أصل الفطرة: طيب لما بيكون عندك شدة ولما يكون عندك بلية ولما يكون عندك أمر بترفعه لمين؟ قال الرجل بفطرته السليمة: أرفعه إلى الذي في السماء. وهنا أرشده النبي إلى برهان التوحيد الساطع قائلاً: أليس هذا حقاً يُعبد؟ فعندها انقشعت حجب الشرك، وعاد الرجل إلى رشده وأيقن أن المستحق للعبادة هو المتفرد بكشف الضر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال له: أما إنك يا حسين لو أسلمت لأعلمك كلمتان. فلما شرح الله صدره للإسلام، عاد ليقطف ثمرة العقيدة، فقال: يا رسول الله، كنت قد وعدتني إن أسلمت أن تعلمني الكلمتان. فقال له النبي المعلم صلى الله عليه وسلم: قُل: «اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي»⁽³⁾. وهذا هو جوهر الافتقار، وإفراد الله بطلب الهداية والعصمة. إحاطات أسماء الله الحسنى في تاج القرآن ثم يغوص بنا الشيخ في أسرار توحيد الأسماء والصفات من خلال ﴿آية الكرسي﴾⁽⁴⁾، موضحاً كيف تتشابك الأسماء الحسنى لتشكل سياجاً عقدياً يحمي المؤمن. ففي قوله سبحانه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ تتجلى إحاطة القدرة المطلقة التي لا يُعجزها شيء في الأرض ولا في السماء. وفي قوله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ تشرق إحاطة العلم الإلهي الشامل الذي لا يغيب عنه مثقال ذرة، وهو ما يوجب على العبد مراقبة ربه في سره وعلنه. سبحانه وتعالى، تجلى باسمه ﴿الْحَيُّ﴾ ليثبت إحاطة الحياة الدائمة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء. وتجلى باسمه ﴿الْقَيُّومُ﴾ ليثبت إحاطة القيومية؛ فهو القائم بنفسه، المُقيم لكل ما سواه، فلا قوام لأي مخلوق أو سبب إلا به. ثم تختتم الآية بقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ لتتجلى إحاطة العظمة والكبرياء. ولذلكم السر العظيم، تضمنت آية الكرسي خمسة من الأسماء الحسنى الجليلة: الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم. فمن أدرك معانيها، استقرت عقيدته، وصح توكله، وصار موصولاً برب العالمين.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الإحاطات الخمس في آية الكرسي | تأملات روحانية للشيخ جابر بغدادي)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الإحاطات الخمس في آية الكرسي وأسرار التوكل | استنباطات الشيخ جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار الإحاطات الخمس في مدارج السالكين | توجيهات الشيخ جابر بغدادي في تزكية القلوب)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي المعتمد لدرس آية الكرسي وأسرارها الخمسة)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (عقبة التعلق بالأسباب وتوقف مساعي الحياة.. كيف أتحرر من الخوف بآية الكرسي؟)الأسئلة
وقت القراءة
