Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقه الأدب مع الجناب النبوي: أسرار البيعة ومقامات المحبة في مدرسة الدكتور جابر بغدادي

مقالٌ فقهيٌّ بليغٌ يستنبطُ من توجيهاتِ الدكتور جابر بغدادي فقهَ الأدبِ معَ المصطفى ﷺ، مُبيِّناً أسرارَ بيعةِ الرِّضوانِ، ومكانةَ اليدِ المحمديَّةِ، ومُصحِّحاً لمفاهيمَ فقهيَّةٍ خاطئةٍ حولَ مساواةِ العبدِ بالنبيِّ، مع التأصيلِ التراثيِّ الرصينِ لكلِّ مسألة.

فقهُ المـُبايعةِ: حينَ تكونُ يدُ الحبيبِ يدَ المـَولى
في محرابِ الفقهِ الرُّوحيِّ، يضعُنا الدكتور جابر بغدادي أمامَ مسألةٍ جوهريَّةٍ في بابِ (فقهِ المعاملاتِ معَ اللهِ ورسولِهِ)، ألا وهيَ حقيقةُ البيعةِ النَّبويَّة.يطرحُ الشَّيخُ تساؤلاً تنبيهيّاً يكشفُ عن عمقِ الفَهمِ للقرآن: "بكَفِّ مَن بايعَ اللهُ الورى يا ولدي؟".
إنَّ هذا التَّساؤلَ في جوهرِهِ فقْهٌ لمراتبِ التَّلقِّي؛ إذ يستندُ إلى قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾⁽¹⁾.
إنَّ الفقيهَ الرَّبانيَّ يدركُ أنَّ «إِنَّمَا» أداةٌ للحصرِ تُخرجُ المتوهِّمَ من دائرةِ المجازِ إلى رحابِ الحقيقة.
فإذا كانَ اللهُ تعالى قد جعلَ يدَ نبيِّهِ في البيعةِ مَظهراً ليدِهِ، ففقهُ ذلكَ يقتضي التَّسليمَ بأنَّ رسولَ اللهِ هوَ الواسطةُ العُظمى في إيصالِ العهودِ إلى الحضرةِ الإلهيَّة.ولا يَجوزُ في فقهِ الأدبِ معَ النُّبوَّةِ أن نُقاسَ مَقامَهُ بمقامِنا، فمَن سألَ في فقهِ التَّأسِّي: "أينَ يدُ النَّبيِّ؟"، فليعلمْ أنَّها اليدُ التي بايعَ اللهُ بها الخلق، وهذا هوَ مقتضى الفقهِ السُّنِّيِّ في التَّعظيم، لا ما يروِّجُ لهُ المـُتزمِّتُون من تحجيمٍ للمـَقامِ النَّبويِّ بدعوى "التَّنزيه".
فقهُ التَّأسِّي: التَّمييزُ بينَ البشريَّةِ والخصائصِ النَّبويَّة
من أخطرِ مسائلِ الفقهِ السُّلوكيِّ التي تطرَّقَ إليها الدكتور جابر بغدادي: "جفاءُ الأدبِ تحتَ غطاءِ المساواة".
إنَّ الفقهَ الصَّحيحَ يقتضي التَّفريقَ بينَ (البشريَّةِ الظَّاهرةِ) التي هيَ مَحلُّ التَّأسِّي، وبينَ (الخصائصِ النُّورانيَّةِ) التي هيَ مَحلُّ التَّعظيمِ.
يقولُ الشَّيخُ بلهجةِ المـُربِّي المـُشفِق: "أيزعمُ زاعمٌ أنَّكَ مِثلُهُ؟ انظرْ في المرآةِ..التقطْ لنفسِكَ صورةً وانظرْ ماذا فعلتْ بكَ الذُّنوبُ؟".
هذا التَّساؤلُ فقهٌ في معرفةِ النَّفسِ، فالعبدُ مهما بلغَ من صلاحٍ، لا يزالُ محاطاً بضعفِهِ وذنوبِهِ، بينما النَّبيُّ مَعصومٌ في ذاتِهِ، مُؤيَّدٌ في صفاتِهِ.
إنَّ فقهَ الأدبِ يوجبُ علينا أن نعترفَ بالفارقِ الشَّاسعِ بينَ مَن تجري فيهِ ظلماتُ الهوى ومَن يجري في وجهِهِ نورُ الشَّمسِ، كما وصفَهُ سيِّدُنا أبو هريرةَ⁽²⁾ (ت: ٥٩ هـ): «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ»⁽³⁾.
فمَن أنكرَ هذا النُّورَ بدعوى "البشريَّةِ المـُجرَّدةِ"، فقد فقدَ فقهَ الشَّمائلِ الذي أرشدَنا إليهِ الإمامُ هندُ بنُ أبي هالةَ⁽⁴⁾ (ت: ٣٦ هـ) حينَ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأَلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»⁽⁵⁾.
فقهُ المشاهدةِ: بينَ مُواجَهةِ الدُّنيا ومُواجَهةِ المـَوْلى
يختمُ الدكتور جابر بغدادي هذا التَّوجيهَ الفقهيَّ بمسألةٍ دقيقةٍ في فقهِ القلوبِ، وهيَ (مقامُ المشاهدةِ).
يتساءلُ الشَّيخُ بليغاً: "فَكَيفَ أَمْدَحُ وَجْهاً وَاجَهُ المَوْلى؟".
إنَّ الفقيهَ يدركُ أنَّ وجهَ النَّبيِّ ليسَ كوجهِنا؛ فوجهُنا واجهَ الخلقَ والشَّهواتِ، أمَّا وجهُهُ فقد كانَ مَحلَّ التَّجلِّي الإلهيِّ.
وفي هذا المـَقامِ، يستشهدُ الشَّيخُ بكلماتِ الإمامِ عبدِ السَّلامِ بنِ مَشيشٍ⁽⁶⁾ (ت: ٦٢٥ هـ): "وَحِجَابُكَ الأَعْظَمُ الدَّالُّ عَلَيْكَ"⁽⁷⁾.
وهنا نُنبِّهُ على فقهٍ احترازيٍّ؛ فإنَّ وصفَهُ بالحجابِ لا يعني اتِّحاداً، بل يعني أنَّهُ البرزخُ الذي نعرِفُ اللهَ من خلالِهِ.
ومَن جهلَ فقهَ لغةِ العربِ قد يسيءُ الفَهمَ، لذا وجبَ التَّأكيدُ: أنَّ التَّعظيمَ النَّبويَّ هوَ عينُ التَّوحيد، لأنَّ النَّبيَّ هوَ الدَّليلُ على المـُنعمِ.
فمَن أرادَ الفقهَ الحقيقيَّ لعينِهِ الشَّريفةِ، فليعلمْ أنَّهُ قد رآهُ بِفؤادِهِ، كما ثَبتَ عن ابنِ عبَّاسٍ⁽⁸⁾ (ت: ٦٨ هـ)⁽⁹⁾، وذلكَ مَقامٌ لا يُقاسُ عليه، فكفى بالمرءِ جهلاً أن يسوِّيَ بينَ عينِ الشَّهودِ وعينِ الغفلة.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة ٣ دقائق