بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار سجود السرائر: رحلة القلب من عبادة التّجار إلى مقامات الأحرار مع الدكتور جابر بغدادي
أسرار سجود السرائر: رحلة القلب من عبادة التّجار إلى مقامات الأحرار مع الدكتور جابر بغدادي
أسرار سجود السرائر ومعراج المخلصين
كيف تسجد السرائر يا ولدي؟ إن سجود السرائر يتحقق بأمرين لا غنى للسالك عنهما: إخلاص العمل لوجه الله تعالى، وتخليص هذا العمل من آفة المنّ على الله عز وجل. أرأيت هذين الجناحين؟ بهما يكتمل تسليمك، وتعرج في مدارج المخلصين. ومن هنا نشرع في الحديث عن مقامات المخلصين؛ والمقام الأول فيها هو: كيف تخلص قلبك لربك؟ كيف تجعل فؤادك ساجداً في كل عمل تقوم به؟ لكي تظل سريرتك في حالة سجود دائم، لابد أن تطهرها من ذينك الأمرين. فما هما يا ولدي؟
ثمرات الحضرة الربانية والتجليات الإلهية
لنجعل من مجلسنا هذا، وفي رحاب هذه الحضرة المباركة، تدريباً لقلوبنا وترويضاً لنفوسنا. كيف تخرج من هذه الحضرة وقد نلت درجة القبول؟ أن تأتيها بقلب مخلص لله، يسجد فيها فؤادك، ويتطابق فيها عمل ظاهرك مع صفاء باطنك، فتنال الدرجة الموعودة في الحديث القدسي عن مجالس الذكر: «أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» ⁽¹⁾ (صحيح مسلم).
ولست أعني هنا من يُحسب على القوم مجرد حساب، ففي مجالس الذكر، حتى المذنب الغارق في تقصيره تشمله الرحمة ويُحسب فيمن نالهم الغفران؛ ففي ساحة الكرم الإلهي تتساقط الحسابات الضيقة، والكل ينال نصيبه من المغفرة. ولكن شتان بين من غُفر له، ومن كان سبباً في المغفرة لغيره، فهم القوم كما أخبر المصطفى ﷺ: «هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» ⁽²⁾ (صحيح البخاري).
تطهير الأعمال من آفة المنّ
فكيف ترتقي يا ولدي لتكون في المقام الأسمى؟ الطريق هو أن تُجرد عملك وتخلصه لوجه الله الكريم، ثم تنقيه من شائبة المنّ والاستكثار على مولاك. وقد أشار إلى هذا المعنى الدقيق العارف بالله الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت: 709 هـ) (ركن التصوف وصاحب الحكم) ⁽³⁾ في درة من درر حِكمه حيث قال: "كيفَ تَطْلُبُ العِوَضَ على عَمَلٍ هو مُتَصَدِّقٌ بِهِ عَلَيْكَ؟ أَمْ كيفَ تَطْلُبُ الجَزاءَ على صِدْقٍ هو مُهْديهِ إِلَيْكَ؟" ⁽³⁾ (الحكم العطائية).
ترى بعض المريدين بعد انقضاء المجلس يقول: يا سيدي، إني أداوم على الورد، ولكن صدري لا يزال منقبضاً! وأقول لك يا ولدي: نحن لم نأمرك بالورد لتنال راحة صدرك العاجلة، بل أمرناك به لترضي به ربك، وتنقذ به نفسك من المهالك، ولتقوم بحق الشكر لمولاك. أما ما يفيض به عليك من أنواره، فهو مالك الملك يفعل ما يشاء! أيليق بك أن تقول: داومت على الورد ولم يأتني رزق أو مال؟ أتحسب أن عبادتك هذه، التي تشبه طرائق التجار، هي مشروع استثماري تعقده مع رب العالمين؟ حاشا لله.
بين عبادة التجار ومقامات الأحرار
اعلم يا ولدي أن العبيد في سيرهم إلى الله ثلاثة أصناف: تُجار، وأبرار، وأحرار ⁽⁴⁾ (مقتبس من أثر الإمام علي بن أبي طالب). فأما التجار؛ فهم من يعبدون الله طمعاً في العوض، يجلس أحدهم مرتقباً: ماذا ستعطوننا؟ جئنا الحضرة فما هو المقابل؟ أحدهم يتعجل الثمرة قائلاً: أريد أن أنصرف الليلة لأرى الخضر عليه السلام في منامي! فنقول له: تريث يا ولدي، ولا تتعجل.
يكفيك شرفاً وكرامة أن أُذن لك بحضور مجلس يُذكر فيه اسمه! فليكن في حسبانك أن هذا الحضور في حد ذاته هو أعظم عطاء تتلقاه. تأمل حالك؛ كيف أتيت، وكيف ستنصرف. إن الذي جاء إلى المجلس، حتى وإن لم يأتِ متلبساً بمعصية ظاهرة، فقد يكون مثقلاً بمعصية باطنة، ألا وهي رؤية العمل والمنّ على مولاه.
كوثر الحضرة والعطية الكبرى
فإذا ما اغتمس قلبك في كوثر هذه الحضرة، وطهرك الله من هذه الآفة الخفية، فارجع إلى بيتك واسجد لله شكراً، وصلِّ ركعتين حمداً له أن بصرك بعيبك وخلصك منه. ولا تكن من أصحاب عبادة التجار، الذي يسبح التسبيحة، ولا يصبر حتى ينال ثوابها المضاعف في الآخرة، بل يتعجل قائلاً: ماذا ستعطيني الآن؟ ويتساءل متعجباً: ألن يتغير شيء في حالي؟
فأقول لك يا ولدي، مجيباً على تساؤلك ومطمئناً لقلبك: إن هذه المعرفة، وهذا التطهير الباطني، هي العطية الكبرى! نعم، والله إنها هي العطية الحقيقية التي لا تدانيها عطية، فاستمسك بها، واشكر المنعم المنّان.
