بقلم: الشيخ جابر بغدادي
بهذه الطريقة سيزداد رزقنا ونحافظ على سلامنا الأسري
بهذه الطريقة سيزداد رزقنا ونحافظ على سلامنا الأسري
أوجّه ندائي الخالص لكل امرأة، أن تترفق بقرينها في مملكتها، وأن تخفف من وطأة المطالب والأعباء عليه، حتى يتسنى له أن يطعمها من رزق حلال طيب. لقد كانت المرأة في سالف العصر والزمان، حين يهم زوجها بالخروج طلباً للرزق، تهرول خلفه تناجيه قائلة: ""يا هذا، اتقِ الله فينا، ولا تطعمنا من حرام، فإننا نصبر على الجوع، ولا نصبر على السؤال ونار جهنم"".
لذا، أقول لكل زوجة يا ابنتي: اتقي الله في مطالبك، سيما في أيام الشدة والغلاء هذه. إن عليكِ مسؤولية كبرى في إدراك دورك المنوط بك في منزلك، من ترشيد للاستهلاك وحسن للتدبير، وإلا فمن أين سيأتي هذا الرجل بما تشتهين؟ وإلا فإنك تدفعينه دفعاً إلى أن يطعمك ناراً تُدخلك وتُدخله جهنم والعياذ بالله. وعليكِ أن تسأليه وتستحلفيه كلما رأيتِ النعمة قد زادت بين يديه قائلة: إياك أن تطعمنا من حرام، إياك أن تدخل على عيالي قرشاً من سُحت. هكذا ينبغي أن تذكر الزوجة زوجها في كل يوم: اتقِ الله فينا، فإنا نصبر على الجوع، ولا نصبر على نار جهنم.
وإنما السر في ذلك، أنك إن تجرأت على تلك اللقمة الحرام، فلن تُقبل لك صلاة أربعين يوماً ⁽¹⁾؛ فكبّر ما شئت، واسجد، واركع، وافعل ما يحلو لك من العبادات، فعملك مردود، وأبواب القبول موصدة. ولذا، يقول الإمام ابن عطاء الله السكندري (ت 709هـ)، تاج الدين، قطب العارفين وترجمان الواصلين: ""رُبما فتحَ لكَ بابَ الطاعةِ، وما فَتَحَ لكَ بابَ القَبولِ"" ⁽²⁾. فترى أحدهم يحمل مسبحة طويلة يبلغ طولها ثلاثين متراً بين يديه، غير أن جيبه مثقل بالمال الحرام.
فالنفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها ⁽³⁾؛ كما أنشد سيدنا علي بن أبي طالب (ت 40هـ)، أمير المؤمنين وباب مدينة العلم. فالسلامة من هذا العالم تكمن في الخلاص من التعلق به وبشهواته.
ولقد جاء في الوصية النبوية الخالدة لسيدنا أبي ذر الغفاري (ت 32هـ)، جندب بن جنادة، أصدق الناس لهجة وأزهدهم في الدنيا: «يَا أَبَا ذَرٍّ، أحكم السَّفِينَةَ فَإِنَّ الْبَحْرَ عَمِيقٌ، وَاسْتَكْثِرْ مِنَ الزَّادِ فَإِنَّ السَّفَرَ طَوِيلٌ، وَخَفِّفِ الْحِمْلَ فَإِنَّ الْعَقَبَةَ كَؤُودٌ» ⁽⁴⁾. ولنا أن نتساءل يا ولدي: ما هي تلك العقبة؟ إن العقبة الحقيقية هي أنت، هي نفسك وشهواتها التي تحول بينك وبين ربك.
فكل من الحلال الطيب، لأن الجرأة على أكل الحرام تورث الجرأة على اقتراف الآثام، فتجعل من الهين عليك أن تسفك الدماء، وأن تأتي الفواحش وتزني، وأن تأكل الربا، وأن تفتري الكذب على عباد الله. إياك أن تتساءل في حيرة: لِمَ لَمْ أعد قادراً على القيام للصلاة في جوف الليل؟ بل راجع مطعمك، أجل، فتش في مطعمك.
فذاك الذي يتقاعس عن عمله، ويمضي متخفياً هارباً من مسؤولياته، ثم يأتي في ختام الشهر ليطالب بأجره وراتبه! أقول له: يا أيها الرجل المؤمن، إنك لم تعمل يوماً واحداً! اتقِ الله في عملك، فإن بلادنا في هذه الأيام العصيبة في أمس الحاجة إلى العمل الصالح المخلص.
وقد أمرنا الحق جل وعلا في محكم التنزيل قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ ⁽⁵⁾. والسر العظيم في هذا الربط الإلهي بين الأكل الحلال والعمل الصالح، هو أن العمل الصالح لا يرتفع ولا يُقبل إلا بعد المرور على عتبة الأكل الحلال.
فلو صليت ما صليت، ولو وقفت على صعيد عرفات مهللاً ومُلبياً: لبيك اللهم لبيك، ولو عاد الحاج وقد زُينت جدران داره بالرسوم والاحتفاء بعد أن أتى بأفعال لا تليق، لآخذك من يدك جانباً وأسألك برفق: هل هذه الأموال التي ذهبت بها حلال؟ هنا تكمن القضية الكبرى؛ هل الدراهم التي ستسافر بها لزيارة الحبيب المصطفى ﷺ حلال؟ فإن كانت غير ذلك، فصَلِّ عليه وأنت في مكانك، فإن رسول الله ﷺ حاضر في قلبك ليس بحاجة لأن تأتيه بمال حرام. لست بحاجة لأن تسفك دماء الناس، وتأكل أقواتهم، وتظلمهم، وترتشي، وتنهب، وتسرق، وتجمع الأموال لتؤدي فريضة الحج. كلا، بل حُجَّ من مكانك، حُجَّ بقلب مفعم بالافتقار إلى الله.
إن الله سبحانه وتعالى قد جعل الصلاة معراجاً للمؤمن، فإن لم تجد حلاوتها، فارجع إلى أحد أمرين: إما أن جيبك قد دخله مال حرام، وإما أن قلبك قد تعلق بشيء حرام. فتب إلى الله مسرعاً إن كان في قلبك زيغ، ورد المظالم إلى أهلها إن كان في جيبك سحت.
فلقد حذرنا نبينا ﷺ قائلاً: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» ⁽⁶⁾. وانظروا يا ولدي إلى سيدنا أبي الدرداء (ت 32هـ)، عويمر بن زيد، حكيم الأمة وقاضيها، حينما يقول: ""لو أن لي حانوتاً على باب مسجد رسول الله ﷺ، أربح منه في كل يوم أربعة آلاف درهم، ثم أنفقها جميعاً في سبيل الله، ما اخترت ذلك ولا اشتهيته"". فقيل له متعجبين: وكيف ذلك وقد قيل: نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالحِ؟ فأجاب قائلاً: ""لأن ذلك يعرضني لطول الوقوف للسؤال بين يدي الله يوم القيامة"" ⁽⁷⁾.
