بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار الرضا في حجرات النبوة: رسالة إلى القلوب المتعبة
أسرار الرضا في حجرات النبوة: رسالة إلى القلوب المتعبة
يا ولدي، لو قرأنا هذه الرسالة حق القراءة، لذهبنا مسرعين نفتح خزائن دواليبنا التي نملكها، ونطالع ما أودع الله فيها من نعم، ولهجت ألسنتنا بقول: "الحمد لله"، راضين بالعيش مع معطيات الله بحب ورضا. تأمل يا ولدي حجرات الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كانت الحجرة منها لا تتجاوز خمسة أمتار في عرضها، في ثلاثة أمتار ونصف في طولها. وهذه الحجرات جميعها كانت مبنية من الجريد؛ من جريد النخل وسعفه، ومطينة بالطين البسيط ⁽¹⁾.
ومن هذا البيت المتواضع، امتلأت الدنيا بأسرها نوراً وعلماً. كانت تلكم الحجرات مكسوة بحلة الرضا، وتعيش نساؤها الطاهرات في جو تسري فيه نفحات الروحانية، مكللاً بالاكتفاء التام برسول الله، صلوات ربي وسلامه عليه. إن هؤلاء القوم قد بلغوا ذروة الرضا، ولتعلم يا ولدي أن الرضا أعلى مقاماً وأجل شأناً من الزهد؛ فالزهد هو ترك الدنيا رغبة في الآخرة، إنما الرضا هو التلذذ بعطاء الله ومعطياته، ما دامت من عند الله جل جلاله.
وهنا تروي لنا أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق الصدّيقة المبرأة، عالمة نساء الأمة وأفقههن (المتوفاة سنة 58 هـ)، حالها في تلك الحجرة فتقول: "كنت أنام في مسجده" ⁽²⁾؛ وتقصد بذلك المكان الذي يسجد فيه داخل حجرتها حين كان يصلي النوافل في بيته، فكان، صلوات ربي وسلامه عليه، كما تصف: «إذا سجد غمزني».
ولنا أن نتأمل يا ولدي في دلالة هذا الكلام البليغ؛ فمعناه يجسد أسمى صور المودة بين الرجل وزوجته في أخص حاجاتهم وأوقاتها. إنهم يقيمون الصلاة التي تتجلى فيها أرق معاني الرومانسية والمحبة! يالهم من أناس سكن الرضا قلوبهم خالصاً، وسعدت أرواحهم وانبسطت بمعية بعضهم البعض. هؤلاء قوم يتحابون حتى في أوقات العبادة، فكان إذا سجد غمزها -اللهم صل عليه- فتقبض رجليها ليفسح له مكان السجود، فإذا قام من سجوده بسطتهما.
إن هذه الحجرة الصغيرة، متى ما عمرها الرضا، أمكنها أن تصنع هذه الحياة السعيدة الهانئة مع الله. ويُخيل إلي يا ولدي، أن كثيراً من الناس في زماننا هذا بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة هذا المشهد العظيم، واستحضار تصور الحياة الصادقة في سبيل الله. فهناك جموع غفيرة جداً من الناس لا تعرف كيف ترضى بحياتها، مع أنني أعتقد يقيناً أن تلك الحجرة النبوية أصغر بكثير جداً، في عينك وعيني، من حجرة مهملة في بيتي وبيتك، ذلك البيت الذي نأبى أن نرضى فيه!
انظر إلى من يتنازعون اليوم على تجهيز حجرة الأطفال وهم لم يرزقوا بعد بالذرية، فتراهم يعملون ويختصمون ويتشاجرون بحجة أنه لابد من إحضار غرفة الأطفال، وهم لا يزالون لم يرزقوا بأطفال بعد! فبالله عليكم يا أبنائي، حرام عليكم هذا التكلف، يسروا على الناس ولا تعسروا. لقد وصف ربنا، سبحانه وتعالى، الرضا بهذه العيشة البسيطة، وأن الاكتفاء بحضرة النبي المصطفى هو من أعلى مقامات الإحسان، وأنزل في ذلك قرآناً يُتلى فقال جل جلاله: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ⁽³⁾.
ومن العجيب المليء بالعبر يا ولدي، أنه وراء حجرة السيدة فاطمة الزهراء، كانت تقع حجرة أم المؤمنين السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، ذات الرأي السديد والعقل الراجح (المتوفاة سنة 62 هـ)، وبعدها طريق وشارع يمر منه الناس. ومن كمال حشمتها وحيائها، رأت ستنا أم سلمة أن هذا الحال يحتاج، كما نقول، إلى من يكمل البناء ويزيد الستر، فدعت من يبني أو يحور في البيت. فلما ذهب سيدنا النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في غزوة ورجع منها، جاء النبي فوجد البيت مدهوناً ومبنياً.
فماذا قال لها النبي؟ إن رده، صلوات الله عليه، ليس معناه أنه يحب أن يعيش في بيت غير نظيف؛ حاشا وكلا، فتلك الحجرات الطاهرات لم يُعهد عنها إلا كمال النظافة، وكانت جميلة متزينة في حلة الرضا. هو لم يلمها على أنها عملت، ولا على أنها سترت بيتها، فهذا أمر مطلوب في كل بيت، أن تقوم سيدة البيت بتعمير بيتها، وأن تسكن في أجمل بيت وأنظف بيت في حدود الإمكانية المتاحة.
إنما لامها النبي على شيء واحد فقط، لعله أراد بذلك أن ينتزع من قلبها جذور طول الأمل في هذه الدنيا الفانية، فقال لها بكلمات توزن بماء الذهب: «يا أم سلمة إن الأمر أعجل من ذلك» ⁽⁴⁾.
لذا، تعايش يا ولدي مع معطيات الله بحب ورضا؛ ففي هذا المصلى المتواضع، كان صلى الله عليه وآله وسلم يصلي حتى تتورم الأقدام الشريفة. ولم يكن يصلي حتى تورم الأقدام ليقول: "اللهم أعطني داراً فسيحة"، لكن حينما قالت له السيدة عائشة: "يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟"، أجابها بلسان الشكر والرضا قائلاً: «أفلا أكون عبداً شكوراً» ⁽⁵⁾.
فيا ليت كل إنسان يقرأ هذا المعنى بقلبه. هل تعرفون يا ولدي أن الحجرة التي كان يصلي فيها النبي لتتورم رجله، لكي يبقى شاكراً لله، هي أصغر بكثير جداً من حجرة مهملة في بيتي وبيتك، الذي لست راضياً فيه؟ لقد بنينا بيتاً لكي نصلي ونصوم ونتستر فيه، وليرانا الله فيه ونحن نعبد ربنا في مقام الشكر الجليل.
متهيأ لي يا ولدي، لو قرأنا هذه الرسالة وأعدنا قراءتها كثيراً، لذهبنا مسرعين نفتح الدواليب التي عندنا ونردد بلسان اليقين: "الحمد لله، الحمد لله"، ولفتحنا الشبابيك التي عندنا، التي يدخل منها شعاع الشمس، ونحن نلهج قائلين: "الحمد لله".
إن تلك الحجرات البسيطة في مشهد عيوننا القاصرة، والتي تتشابه في مقاييس المادة مع الحجر المهملة في ديارنا، قد خرج منها نور الشكر ليضيء أرجاء الكون بأكمله. الله أكبر! بل إن النبي قد خاطبه الوحي فيها، وخاطب النبي فيها الوحي، وهي التي كانت على ارتفاع مترين ونصف المتر فقط.
وهذا الإمام التابعي الجليل الحسن بن أبي الحسن البصري، إمام أهل البصرة وعالمها وسيد التابعين في زمانه (المتوفى سنة 110 هـ)، يقول واصفاً المشهد بعين اليقين: "دخلت حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، فكنت أقف وألمس السقف بيدي" ⁽⁶⁾؛ فقد كان سقفها من الجريد، وكان سقفها من الجريد الخالص.
