بقلم: الشيخ جابر بغدادي
التجليات المحمدية: معراج القلوب في فقه الاحتواء وأسرار التوبة والمحبة
التجليات المحمدية: معراج القلوب في فقه الاحتواء وأسرار التوبة والمحبة
إن كل مصائبنا، وكروبنا، وشدائدنا، وأهوالنا، بل وذنوبنا ومعاصينا، واللهِ الذي لا إله غيره، ليس لها في الدنيا ولا في الآخرة من ملجأ ولا منجا إلا التوسل والالتجاء إلى حضرة رسول الله ﷺ. فهو النور الذي تفيض منه الرحمات، مصداقاً لقول الحق جل جلاله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ⁽¹⁾. ألا ترى يا ولدي كيف أن الحبيب ﷺ حين عُرضت عليه زلة الغامدية التائبة، لم يعيرها بذنبها قط، بل أشاد بكرامة توبتها قائلاً: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» ⁽²⁾. ومن أنا يا إمام الرسل حتى أوفي قدرك السامي شروحاً؟ يا رحمةً وسع الوجود مداها، ورسالةً جادت ببسط يداها، يا بحر رحموتٍ تلاطم موجُه شمل العوالم رحمة ورعاها.. فهو العبد المحض الذي تجلى عليه الحق بقوله: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ ⁽³⁾. وما حل وافد بكنانة الله مصر فاستشعر الغربة في جنباتها قط؛ وكيف يغترب الوليد في أحضان أمه؟ وإليك يا سائر في درب المحبة نصيحة وعلاجاً ناجعاً: أول الأمر وآخره هو سيدنا النبي ﷺ؛ فالصلاة عليه دواء وطب للقلوب، لأننا حين نصلي على الجناب النبوي مرة، يصلي الله علينا بها عشراً، وفي صلاة الله علينا تتنزل التوبة، ومن مقتضياتها أن يشملنا الخالق برحمته فيغفر ذنوبنا. ألم يقل للشاب العاصي: "تعال، اقترب مني"؟ ففي القرب من جنابه المعظم علاج شافٍ. وقد جاءه الصحابي يسأله: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ الربع؟ الثلث؟ النصف؟ وفي كل مرة يفيض عليه العطاء المحمدي: "وإن زدت فهو خير". حتى إذا قال: أجعل لك صلاتي كلها، بشره بالفيض الأكبر ⁽⁴⁾: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ». فكفاية الهم تعني سلام الدنيا، وغفران الذنب يعني سلام الآخرة. ومتى غفر الله لك، انتزع أثر الذنب من سويداء قلبك فتطهر. لذا، فإني أوصي كل السائرين من أحبابنا الذين تعسرت عليهم سبل التوبة، أن يكثروا من الصلاة والسلام على الحبيب الشفيع ﷺ. بيد أن هناك أدباً خفياً –يا بني– يجب أن تلتزمه وأنت تطرق باب التواب. فكم من مبتلى بذنب يتوب، وما إن تسترد روحه عافيتها، حتى يُسأل: كيف تبت؟ فيغتر ويقول: أصلحتني عزيمتي وإرادتي! يا مسكين، من قال هذا عاد إلى وحل ذنبه. بل قل: "لي رب تاب عليّ، ونظر إليّ بعين الرحمة، دعوته فاستجاب"، ولا تنسب الفضل قط لنفسك الضعيفة. فلماذا ننقض عقد المتاب بعد معاهدة التواب؟ لأنك حين تاب عليك وأولاك المتاب، رددت الفضل لقولك: "أتيته على عزم عندي". فتأدبوا –يا أهل الله– مع تجلي اسم الله التواب. فمن عافاه الله من ذنب، فليشكر المنعم، فشكرك لله على التوبة عصمة لك من العودة للذنب، وتأدبك مع بركات اسمه التواب حصن حصين. وكل من نقضوا عهدهم، إنما أُوتوا من قِبَل أنفسهم حين نسبوا التوبة لعزائمهم، وغفلوا عن السر الإلهي في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ⁽⁵⁾. فالله جل جلاله هو البادئ بالتوبة عليك. إن حب رسول الله ﷺ هو معراج الرضا الذي نرتقي به إلى معارج القبول ومواطن الرضا الإلهي. فقد جاء أعرابي يسأل ⁽⁶⁾: يا رسول الله، متى الساعة؟ فأجابه المعلم الأكبر: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟». قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، غير أني أحب الله ورسوله. فكانت البشارة الكبرى: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». أوتدرك يا بني غاية سرها حين قال: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»؟ أيعقل أن يسعفني الحب إن أبطأ بي العمل؟ نعم يسعفك ويرفعك، إن فهمنا حقيقة هذه المعية المباركة. ولننتقل في درجات المحبة؛ لنشهد حب الله لرسوله أولاً. تأمل الملاطفات الربانية في التنزيل: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ⁽⁷⁾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ⁽⁸⁾، ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ⁽⁹⁾، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ⁽¹⁰⁾، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ⁽¹¹⁾. بل وتوج ذلك كله بمديح أزلي يهتز له الوجدان: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ⁽¹²⁾. ثم لنهبط من الملأ الأعلى إلى عالم الجمادات، لندرك مبلغ حبها للحبيب ﷺ. لست أحدثك عن بشر أحبوه، بل عن جبل أصم! حين قال المختار ﷺ ⁽¹³⁾: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». فكم من متيم ذاب غراماً وما أدرك مقام "ونحبه"، بينما نال هذا الجبل الأصم، المكون من ذرات التراب والحصى والجماد، صفة المحبوبية العظمى. وانظر بعين البصيرة إلى الجذع اليابس الذي أنَّ وحنَّ وبكى في الروضة الشريفة. فلما فارقه النبي ﷺ مرتقياً المنبر، سمع له أنين وبكاء كأنين الصبي ⁽¹⁴⁾. فكيف جبر خاطره نبي الرحمة؟ نزل من عليائه، والتزمه وضمه إلى صدره الشريف ليطيبه ويسكن لوعته. ووالله لو لم يضمه ويطيب خاطره، لظل يئن شوقاً إلى يوم القيامة. وأما عن محبة أصحابه، فسل ثوبان حين قال: يا رسول الله، إنك لتغيب عنا قليلاً فتتغير وجوهنا وألواننا وأحوالنا، وأجلس فأفكر: كيف إذا ارتفعت إلى الفردوس الأعلى في مقامك العالي المحمود، ونحن على ما نحن عليه؟ لا يمكننا أن نكون معك! فتنزل الرحمة الإلهية مجيبة لهذا الوجد العظيم: ﴿فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ ⁽¹⁵⁾. لقد ولجوا سرادق المعية من باب المحبة، ودخلوها من باب الاتباع: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ⁽¹⁶⁾. واعلموا يا إخواني، أن السنة المطهرة ليست مجرد ظواهر تُرى وأعمال شكلية. إن في الرحمة عزباً من سنة سيدنا النبي، وفي الإخلاص سنة، وفي الشفقة سنة، وفي الشجاعة سنة، بل وحب الأوطان وإكرام الجار من سننه. فبأي حق حصرتم السنة كلها في المظهر والجلباب؟ السنة ليست قشرة ظاهرية للتدليل على أنك صاحب سنة، بل هي السلوك النبيل؛ هي التطبيق الحي لآيات القرآن المجيد. كل حركة، وكل سكون، وكل سكوت نبوي صحيح هو سنة. كظم الغيظ عبادة وسنة، إكرام الغير عبادة وسنة، وإسعاف الملهوفين سنة جليلة. وكل كمال يشير إلى صدق العبودية فهو نفحة من سننه ﷺ. والدعوة إلى الله –يا سادة– لا تعرف لغة التطرف، ولا تعترف بتصيد العثرات والأخطاء. بل الداعية الحق سِتّار؛ يبسط رداء الستر على مجتمعه. أقول لهؤلاء القساة: عودوا واقرأوا قول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ ⁽¹⁷⁾. وتأمل يا أيها المريد، كيف أن كل مهنة في دنيانا متى تجردت من الضمير الحي أفسدت وما أصلحت. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ ⁽¹⁸⁾؛ فاتباع الهوى هو رأس كل خطيئة. وأولئك المتنطعون ليسوا أرباب ديانات ولا عقائد سليمة، بل فسدت أهواؤهم، فاتخذوا دعواهم مطية لإرضاء ذواتهم. وتأمل قول الحق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ⁽¹⁹⁾، فليس هناك مقام أرفع من هذا. لكنه اشترط العمل الصالح؛ أي اشتغل بتهذيب نفسه أولاً. فما الذي يسيء للدعوة؟ أن يدعو الداعية بما لا يطبقه على نفسه، فتنعدم القدوة الحسنة. والأجمل من ذلك ختام الآية: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. فرغم بلوغه رتبة الإحسان بالدعوة والعمل، لم يقل "إنني من المحسنين"، بل وقف متواضعاً في صفوف الأمة قائلاً: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وهذا يرسخ فينا عقيدة الانتماء للأمة، ويعلمنا أن الغاية العظمى للدعوة هي عمارة هذه الأمة لا تخريبها. ألم تر إلى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام حين دعا ربه دعوة المتبتل الصادق؟ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ⁽²⁰⁾. فدعا لبلده بالأمان أولاً؛ لأن من أعظم علامات الأمان في البلاد والعباد هي سلامة العقائد والأديان. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة في حفظ السلام المجتمعي. حين جاءته المرأة الغامدية حبلى من الزنا، معترفة: "أصبت حداً فطهرني". كان بمقدوره ﷺ أن يقيم عليها الحد فوراً، فالاعتراف سيد الأدلة! لكنه قمة الرحمة، ما أقام عليها الحد بل قال: «اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي» ⁽²¹⁾. فمضت وضعت حملها، وما أرسل خلفها حراساً ولا عيوناً طيلة تسعة أشهر! هذا هو السلام المجتمعي وهذا هو الستر الدعوي. ثم عادت بعد تسعة أشهر تحمل طفلها، فقال: "لا، حتى يتفطم". فرجعت حولين كاملين –في ظني واعتقادي– تاركاً إياها. وربما قال قائل: يا ستي توبي وينتهي الأمر! لكنها حريصة على أن تموت وتلقى الله طاهرة، وهو حريص على ألا يفضحها. وحين أقيم الحد أخيرًا، كانت هناك اعتبارات نبوية أخرى للقاضي والداعية: اعتبارات رحمانية، اعتبارات لبناء الوطن وحفظ الأجيال، واحترام لتلك النسمة التي أراد الله لها أن تُخلق وتُرضع حولين كاملين. ولما تطايرت قطرة من دمها على ثوب أحدهم فتأفف ولعنها، غضب ﷺ وقال معلماً: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ». تأمل يا ولدي: لم يقل "لقد فعلت فضيحة" أو "أجرمت وذلت"، بل ستر ذنبها وأظهر كرامة توبتها. لماذا؟ لكي يعيش طفلها بين الصحابة مرفوع الرأس بكرامة توبة أمه، لا منكسراً بشؤم ذنبها! وكذلك الشاب الذي جاء، كما يروي سيدنا أنس ⁽²²⁾، يصرخ: "يا رسول الله، صرح لي في الزنا!". فنهره الناس وزجروه، لكن طبيب القلوب ﷺ قال: «مَهْ مَهْ»، دعوه، ادْنُ. يا سادة، قربوا لي هؤلاء الشباب الذين تعسرت عليهم التوبة، هاتوا أوجاعهم وسنعرف كيف نحتويهم. هذا هو فن الاحتواء، وفقه الرحمة بالشباب الحائر الذي لا يجد حلاً لمشكلاته. دنا الشاب فقال له الحبيب بحنان: «أَتَرْضَاهُ لِأُمِّكَ؟ أَتَرْضَاهُ لِأُخْتِكَ؟»، والفتى يجيب في كل مرة بقلب مكسور: "لا، فداك أبي وأمي يا رسول الله". وقد اقتنع عقله، لكن نيران الشهوة المستعرة وإدمان المعصية لا تزال تتأجج في قلبه وطياته. فمن له غير النبي ﷺ؟ والله يا إخواني، ما لنا غير سيدنا النبي. كل مصائبنا وكروبنا وذنوبنا ليس لها مجلٍ إلا هو. فماذا فعل ﷺ وقد وصل لتلك الغاية؟ مسح بكف حنانه على الصدر المشتعل شهوة، داعياً: «اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبَهُ، وَاشْرَحْ صَدْرَهُ، وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَلَا تُعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ». فخرج الفتى ولم يعد يلتفت إلى شيء. إن هذه اللمسة النبوية لم تكن مجرد طقس قرأ فيه شيئاً وعمل عملاً، بل هي حنو واحتواء. كم من شاب اليوم يحتاج من الداعية أن يفهم هذا السر؟ كم من مكسور يحتاج لهذا الحضن النبوي وهذه الكف التي تطبطب على الأوجاع؟ إن الدعوة إلى الله تقتضي أن تكون أباً رحيماً، وأخاً شفيقاً، ورحماً موصولة من رحمة حضرة النبي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ⁽²³⁾. فقد كان التخصيص في الرسالة للرحمة؛ ولذلك أنشدت فيها أقول: يا رحمةً وسِعَ الوجودَ مداها ورسالةً جادتْ ببسطِ يداها يا بحرَ رحموتٍ تلاطمَ موجُهُ شملَ العوالمَ رحمةً ورعاها وهذا يحيلني لسؤال فضيلتكم عن فضل الذكر وأثره في أخلاقياتنا وسلوكنا. فاعلم أن الذكر موجبة لتجلي الله بالصلاة علينا، فإذا صلى علينا ربنا: رحمنا، وفك كروبنا، وشفا أوجاعنا، وداوى عللنا، وسهل كل صعب، وقرب كل بعيد، وحل كل عقدة. الذكر هو منشور الولاية الأعظم؛ وكما قال الإمام أبو الحسن الشاذلي ⁽²⁴⁾: "الذكر هو الخروج من ميدان الغفلة إلى فضاء المشاهدة". وتأمل الأمر الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ⁽²⁵⁾. في الصلاة والزكاة والحج والصيام جاء الأمر بالاستطاعة، أما الذكر فطلبه "كثيراً". وما الثمرة؟ وما النتيجة؟ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ⁽²⁶⁾. وعلى النقيض، اقرأ وعيد الغافلين: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ ⁽²⁷⁾. فالذكر منحة ربانية، والغفلة عقوبة. فمن حرك لسانه بالذكر فإنما نطق بفضل الله وتوفيقه، ومن غفل فمقتناه وعُطل لسانه لجحوده أمراً من أمرنا. فالذاكر الموفق أقرب الخلق لفرج الله: ﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ⁽²⁸⁾. وأفضل الذكر يجمع بين: "لا إله إلا الله"، والاستغفار، والصلاة على سيدنا النبي ﷺ. فالاستغفار يشير إلى التخلي والتطهر، والصلاة على المختار تشير إلى التحلي بالكمالات المحمدية، و"لا إله إلا الله" تستوجب التجلي الأعظم. فيا أيها الإنسان المسلم، إياك أن تترك واحدة من هذه الثلاثة في يومك؛ بل يجب أن يشمل يومك ورداً منها. فالاستغفار يوجب التخلي والطهارة، والصلاة على المختار توجب التحلي بالحلية النبوية فتنال أنواره وتكون أهلاً للقبول، و"لا إله إلا الله" توجب التجلي.
