أسرار الإحاطات الخمس في مدارج السالكين | توجيهات الشيخ جابر بغدادي في تزكية القلوب
اعلم يا ولدي أن طريق السير إلى الله تعالى محفوف بالمكاره، ولا نجاة للسالك فيه إلا بتزكية نفسه وتطهير قلبه من أدران التعلق بغير الله. وإن أئمة هذا الشأن من سادتنا الصوفية قد أجمعوا على القاعدة الذهبية: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة". فالتصوف السني المعتمد ليس خروجاً عن التكليف، ولا استهانة بالعبادات الظاهرة، بل هو إحياء لروح تلك العبادات، والترقي في "مقام الإحسان" الذي أخبرنا عنه الحبيب المصطفى. ومن أعظم أبواب التزكية التي تفتح لك مغاليق قلبك، أن تتأمل في سيدة آي القرآن، وتغوص في بحار معانيها، لتستخرج منها أدوية لأسقامك. إن القارئ لآية الكرسي، متى قرأها بقلب حاضر منكسر، يدخل في كنف خمس إحاطات ربانية تعصمه من أمراض العُجب، والرياء، والخوف من الخلق. فمتى تلوت هذه الآية، هتعرف وتوقن أن ما من سبب في هذا العالم يتحرك أو يسكن إلا بأمر الله. وحينها يبرأ قلبك من داء التعلق بالأسباب، وتدرك أن كل المعطلات في مسيرة حياتك الدنيوية والروحية، لا يستطيع تشغيلها وإمضاؤها إلا الله سبحانه وتعالى. ولتثبيت هذا المعنى في قلبك، استحضر دوماً الوصية النبوية الخالدة التي رواها الإمام الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ) (إمام الجرح والتعديل وصاحب السنن)⁽¹⁾، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». فهذا الحديث هو البلسم الشافي لمرض الخوف من الخلق، وهو الذي ينقل السالك من ضيق الوهم إلى سعة التوكل واليقين. مجاهدة النفس الأمارة وعلاج الغفلة ومن ألطف ما يوجهنا إليه الشيخ جابر بغدادي في باب التزكية، تلك القصة النبوية العظيمة التي تبرز كيف يعالج المربي أمراض القلوب وينقلها من "النفس الأمارة" بالسوء والغفلة إلى "النفس المطمئنة" الموصولة بربها. فقد جاء في حوار النبوة مع حصين رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله بحكمة المربي الرفيق: كم من الآلهة تعبد؟ قال: سبعة؛ ستة في الأرض وواحد في السماء. فسأله النبي الأكرم ليستخرج نور الفطرة من قلبه: طيب لما بيكون عندك شدة ولما يكون عندك بلية ولما يكون عندك أمر بترفعه لمين؟ فأجاب حصين: أرفعه إلى الذي في السماء. فقال له النبي، موجهاً إياه إلى توحيد الوجهة والقلب: أليس هذا حقاً يُعبد؟ فعاد الرجل إلى رشده، وانقشعت عن قلبه حجب الغفلة. وكان النبي قد وعده قائلاً: أما إنك يا حسين لو أسلمت لأعلمك كلمتان. فلما أسلم ودخل في نور الهداية، قال: يا رسول الله، كنت قد وعدتني إن أسلمت أن تعلمني الكلمتان. فلقنه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء العظيم الذي هو أصل في باب مجاهدة النفس: قُل: «اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي»⁽²⁾. فيا ولدي، إن داء النفوس يكمن في شرورها الخفية، ولا منجى من هذا الشر إلا بالافتقار إلى الله والالتجاء إليه. ولا تلتفت للمتنطعين الذين ينكرون على أهل الله تعلقهم بذكر الله ومحبتهم للصالحين والتوسل بهم في مجالس الذكر؛ فهذه المجالس هي محاضن التزكية التي تورث القلب رقة ورشداً، وتستعيذ به من شرور النفس، وكل ذلك ثابت في صحيح السنة ومقاصد الشريعة، وهو عين ما أقره سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: ٢٩٧ هـ) (سيد الطائفة وإمام السالكين). مقامات اليقين في الإحاطات الخمس ثم يترقى بك الشيخ جابر في مدارج السلوك ليتأمل معك ﴿آية الكرسي﴾⁽³⁾، وكيف تضمنت الإحاطات الخمس التي تعالج أمراض القلوب وترسخ مقام الرضا والتسليم. ففي قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ تتجلى ""إحاطة القدرة""، التي تعالج فيك داء اليأس، لتعلم أن قدرته تسع ضعفك. وفي قوله سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ تشرق ""إحاطة العلم""، لتورث قلبك مقام المراقبة، فلا تعصيه في خلوة ولا تراءي بعملك في جلوة. وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿الْحَيُّ﴾، فهو يشير إلى ""إحاطة الحياة""، ليميت في قلبك حب الفانيات ويعلقك بالباقي الذي لا يموت. وفي اسمه: ﴿الْقَيُّومُ﴾ تبرز ""إحاطة القيومية""، لتتخلص من كبرك وعُجبك، مدركاً أن قوامك وحركاتك وسكناتك به سبحانه لا بحولك ولا بقوتك. ثم يختم قوله بـ ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، لتظهر ""إحاطة العظمة"" التي تكسر في النفس كبرياءها وتورثها التواضع بين يدي الخالق والمخلوقين. ولأجل هذه الأسرار، جمعت آية الكرسي خمسة من الأسماء الحسنى: الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم. فتمسك بها يا ولدي ورداً ويقيناً، تبلغ بها مقامات العارفين وتنجو من مكايد الشياطين والنفس الأمارة.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار الإحاطات الخمس في آية الكرسي | تأملات روحانية للشيخ جابر بغدادي)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة الإحاطات الخمس في آية الكرسي وتوحيد الأفعال | دراسة عقدية من كلام الشيخ جابر بغدادي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه الإحاطات الخمس في آية الكرسي وأسرار التوكل | استنباطات الشيخ جابر بغدادي)الشريعة
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي المعتمد لدرس آية الكرسي وأسرارها الخمسة)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (عقبة التعلق بالأسباب وتوقف مساعي الحياة.. كيف أتحرر من الخوف بآية الكرسي؟)الأسئلة
وقت القراءة
