بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أكبر المكاسب في شهر شعبان: كيف تدركك العناية في صحيفة أعمالك؟
أكبر المكاسب في شهر شعبان: كيف تدركك العناية في صحيفة أعمالك؟
إن شهر شعبان المكرم هو الميقات الأعظم الذي تُرفع فيه الأعمال إلى حضرة الله جل جلاله. ومن فيض كرمه، وعظيم جوده سبحانه وتعالى، أنه حين تُعرض عليه صحائف العباد، لا يستقصي قراءتها ليحاسب على كل زلة، بل ينظر بعين الرحمة إلى آخر سطر فيها. وقد أشار سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ إلى هذا المعنى الروحاني الجليل في قوله الشريف: «فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»⁽¹⁾، الوارد عن الإمام الحافظ النسائي [ت: ٣٠٣ هـ، ركن من أركان الحديث]، وفي هذا دلالة واضحة على أن العناية الإلهية تلتفت إلى خواتيم الأعمال وما سُطر في نهايتها. يا ولدي، اعلم يقيناً أن الله لا يلتفت إلى جرائمك السالفة ولا إلى زلاتك المتتابعة بحثاً عن معاقبتك، بل يبحث لك في طيات صحيفتك عن توبة قريبة ومخرج من ذنبك. كأن لسان حال الرحمة يتساءل: ألم يبر هذا العبد بأمه فيقبل يدها؟ ألم يرفع حجراً أو أذى من طريق الناس؟ ألم يكظم غيظاً في قلبه؟ بل إن الصمت ذاته قد يُجعل لك فيه مخرجاً، فنبحث لك بين السطور عن "صدقة صامتة". فإن لم يكظم غيظه وهو قادر على إنفاذه، أو لم يتحمل أذى الخلق، فهل ذرفت عيناه دمعة من خشية الله؟ ألم يحدث نفسه يوماً بعد طول جفاء قائلاً: لقد طال أمد الغفلة وساء الأدب مع الله، فهلم بنا نركع لله ركعتين؟ لله در هذا الكرم الرباني! فكأن النداء يأتي ليُقرأ آخر سطر في صحيفتك: هل أسعف مسكيناً؟ هل قضى ديناً عن أخيه المسلم؟ هل سد جوع أسرة متعففة؟ فيا عجباً لشهر شعبان الذي تُرفع فيه الأعمال؛ حيث تتجلى إرادة الله في التكرم والتعطف على عباده. كأنه سبحانه ينادي ملائكته: هاتوا أسماء المذنبين، لعل مُصراً قد انحلت في قلبه عقدة الإصرار، فله العفو! لعل عبداً قد أسعف ملهوفاً بعد أن اقترف جناية وجريمة، فيُتجاوز عنه! لعل.. ولعل.. فلتُوسع يا ولدي في قلبك آمال العطاء، ولتنفسح في روحك رجاءات المغفرة، لأنك ترجو وتتأمل وتؤمل في رب كريم. وما هذه الليالي الغراء والمواسم المباركة إلا نفحات وكرائم ربوبية، تنجلي بأنوارها على الضعفاء والفقراء والمساكين من عباده، أولئك الذين قد تضيق بهم سبل التوبة، أو تعجز ألسنتهم عن الاستغفار. ولكن، احذر يا ولدي أن يعطل هذا التجلي عليك أمران خطيران: الإصرار والاستكبار؛ فقد جاء الاستثناء من هذا الفضل لكل مشرك ومشاحن⁽²⁾، كما ورد في الأثر عن الإمام الطبراني [ت: ٣٦٠ هـ، مسند الدنيا]. فمن رام نظرة العفو والرضوان، فليحلل من قلبه عقدة الإصرار على الذنوب، وليتزين بالتواضع، وليتجرد قليلاً من كبرياء نفسه. فيا حسرة على من ضيعت حظوظ نفسه الهوى حظوظاً إلهية كبرى ومنحاً ربانية عظمى! فاعلم يا ولدي أن هذه العطايا إنما أُعدت للقلوب الحنونة المنكسرة، والأيادي الكريمة السخية، والجفون السيالة بالدموع في الأسحار. ووالله، قد تنجيك من لجة الذنوب الغارقة التي انغمست فيها، مساهمة يسيرة لا تلقي لها بالاً.. دمعة ذُرفت من حنين أو شوق إلى الله.. أو لقمة وضعتها في فم جائع.. أو كلمة طيبة جبرت بها خاطراً مكسوراً.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الفضل والقبول في شعبان: تجليات العفو الإلهي بين الرجاء والعمل)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الأعمال ورفع الصحائف في شعبان: قراءة شرعية وروحانية في أبواب العفو والمكفرات)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار التخلية والتحلية في شهر شعبان: كيف تفك عقدة الإصرار وتتعرض لنفحات القبول؟)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي والسلوكي لأكبر المكاسب ومكفرات الذنوب في شهر شعبان)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أثقلتني الذنوب طوال العام وأخجل من صحيفتي المرفوعة في شعبان، فهل لي من مخرج؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (أجتهد في الطاعات وأبكي، لكن قلبي محجوب بسبب خصومة وذنب أصر عليه!)الأسئلة
