بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار الطمأنينة واليقين في مواجهة كربات الحياة | الدكتور جابر بغدادي
أسرار الطمأنينة واليقين في مواجهة كربات الحياة | الدكتور جابر بغدادي
أسرار النجاة من كربات الحياة
وأنت تقف يا ولدي في غياهب الشدة التي ألمت بك، وجب عليك أن تُركز بصيرتك على حقيقة جليلة؛ وهي أن هذه الشدة ما هي إلا سبب من الأسباب. وتلك هي الطريقة النورانية التي يخرج بها أهل الإيمان من ضيق النكد إلى سعة الفرج. فإذا انقطع الرزق من محل من المحال، فاعلم يقيناً أن "الرزاق" باقٍ لا يزول. وإذا رفع السبب الدنيوي يده عنك قائلاً: "ليس عندي حيلة"، فتذكر أن الله جل جلاله خزائنه ملأى لا تنفد أبداً. لقد صاغ العارفون هذا المعنى حين قالوا: "ما من نفَس تُبديه، إلا وله قَدَرٌ فيك يُمضيه"⁽¹⁾.
فأولياء الله قد وصلوا إلى مقام السكينة الذي وصفه الحق سبحانه بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾⁽²⁾. ومرد ذلك يا بني أن الخوف دائماً ما يكون من المستقبل وما يحمله الغد، بينما الحزن يكون على الماضي وما انقضى من الأمس؛ فجاء التوجيه الإلهي القاطع: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾⁽³⁾. فكيف ارتقوا إلى هذا المقام الأسمى؟ لقد ارتقوا حين قرأوا حِكم العارفين وتفهموها بعمق، فأدركوا أن كل نَفَس يتنفسونه يحمل قَدَراً من الله ماضياً فيهم لا محالة.
مدرسة اليقين في قصة الكليم
تأمل معي يا ولدي في قصة نبي الله موسى عليه السلام؛ فقد حملت به أمه وحان موعد ولادته في ذات العام الذي كان يذبح فيه فرعون صبيان بني إسرائيل. يصور القرآن هذا المشهد المهيب بقوله: ﴿وَإِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾⁽⁴⁾. فكيف كان هذا الربط الإلهي على قلب أم موسى؟ لقد رُفع الحجاب عن بصيرتها، فعلمت يقيناً أن الأسباب الكونية لا تتعطل عن أداء وظيفتها، ولا تتفعل في تأثيرها إلا بإذن الله جل وعلا. لقد أراها الحق سبحانه عجائب قدرته، وكشف لها عن أسرار لطفه الخفي حين تسري تلك الأسرار في العدم فتُحيله إلى وجود ملموس.
لقد كان وضع موسى الرضيع في التابوت، تجربة إلهية مُحكمة الإعداد، ليُدرك في مستقبل أيامه حقيقة الأسباب. فعندما التقى بالخضر عليه السلام وخرق السفينة، تساءل موسى متعجباً: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾⁽⁵⁾؟ فكان لسان الحال والمقال يرد عليه: هل غرقت أنت يا موسى حين رمتك أمك في لجج البحر؟ إنها يا بني تدريبات ربانية متدرجة لترسيخ شجرة اليقين في القلب.
الإدراك الإلهي وشهود العرفان
لقد مرّ سيدنا موسى بثلاثة مواقف كبرى مع البحر، من أعجب ما سُطر في سجلات التاريخ. المرة الأولى حين ألقته أمه في اليم؛ فهل غرق الطفل الرضيع؟ حاشا لله أن يغرق. والموقف الثاني حين كان برفقة الخضر في البحر وخرق السفينة؛ ليعلمه درساً جديداً. لقد جمع الله لموسى عليه السلام هذه الملفات والمواقف ليكون مستعداً لليوم الموعود، يوم أن يقف أمام البحر الأحمر هارباً من فرعون، وهو يعلم علم اليقين أنه لن يغرق. لقد علم أن البحر في ذاته لا يملك قوة الإغراق، لأن وراء البحر إلهاً قادراً على أن يحمي حياة عباده. فالبحر ليس إلا مخلوقاً مأموراً، ولا يملك أن يغرق طفلاً صغيراً في لفة قماش، ولا سفينة معطوبة مخروقة.
ولذلك، حين صرخ بنو إسرائيل قائلين: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾⁽⁶⁾، ماذا كان رد الكليم؟ هل قال إن معي البحر يحميني؟ أم قال إن معي الله؟ بل صدح بيقين راسخ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽⁶⁾. من أين استقى موسى هذا اليقين العظيم؟ لقد جاءه من شهود العرفان يوم ألقته أمه جنيناً لا يقوى على السباحة، فعرف أن الذي حفظه وسار به في حفظه حتى أوصله إلى قصر فرعون هو الله، وأن الذي سخر فرعون -وهو من كان يبحث عنه ليقتله- ليجعله بمثابة الأب المربي له هو الله سبحانه، وأن ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾⁽⁷⁾.
إذن، نعود للقاعدة الذهبية: "ما من نفَس تُبديه إلا وله قَدَرٌ فيك يُمضيه". فإذا استبد بك الخوف على ولدك، فماذا تصنعين يا أم موسى؟ يقول الحق: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾⁽⁸⁾. ارمي فلذة كبدك في لجج الماء ولا يعتريك خوف ولا حزن! وكيف ذلك أليست بشراً تتألم؟ بلى، ولكن الله تجلى عليها باليقين وربط على قلبها. وكيف كان الربط؟ لقد أكد لقلبها حضوره ومعيته سبحانه وتعالى، وأشهدها سر قدرته المطلقة، وعرّفها أن الله هو القيوم، وأن هذه المملكة الكونية لها ملك مدبر يصرف شؤونها، وأن هذا البحر بعظيم جلاله وهيبته في عين الناظر لا يملك أن يغرق نملة إلا بأمرنا، لأن لهذا البحر إلهاً متى قال للشيء كن، فإنه يكون.
أنوار المناجاة في ظلمات ثلاث
وتأمل يا ولدي في حال نبي الله ذي النون (يونس) عليه السلام، ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ﴾⁽⁹⁾. لقد أُحيط بظلمات ثلاث: ظلمة الليل البهيم، وظلمة أعماق البحر، وظلمة بطن الحوت. لقد أُغلقت عليه الأبواب كمن وُضع في ثلاثة أكياس محكمة أو ثلاث خزائن مغلقة، إلا أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُعطل مفاعيل الأشياء. انظر إلى البحر بعظيم مهابته، وانظر إلى الليل بجلال عتمته، وانظر إلى الحوت بعظيم بنيته وقوته؛ كلها مخلوقات لم تستطع أن تنهي حياته!
في هذا الكرب العظيم، صدح صوته في الظلمات: ﴿أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾⁽⁹⁾. لقد نادى مؤكداً أنه لا البحر إله يُعبد، ولا الحوت إله يُخشى، ولا الليل إله يُرهب. وكأنه يقول: إني كنت من الظالمين لنفسي حين اعتمدت في لحظة على البحر أو الليل أو غيرهما من الأسباب. وماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾⁽¹⁰⁾. هذه هي الوصفة السحرية والطريقة النورانية التي يخرج بها المؤمنون من نكد الدنيا وهمومها: دعوة ذي النون.
وأنت في خضم مشكلتك وأزمتك، تذكر أن هذه الشدة ما هي إلا سبب. ليمسك كل واحد منكم بمشكلته ويقرأ عليها بيقين: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". واسأل نفسك: متى كنت ظالماً؟ كنت ظالماً حين توهمت بفكري القاصر أن مصنعي أو تجارتي أو وظيفتي هي التي ترزقني. فإذا اعترفت لله بالوحدانية ولنفسك بالتقصير، جاءك الجواب: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾.
إن السر العجيب الذي أدركه يونس في بطن الحوت، أنه لم يطلب الخروج المجرد، بل أدرك أن هذه المملكة الكونية بعظمتها يقف وراءها مليك عظيم يديرها ويدبر أمرها، بيده الإحياء والإماتة. ولنقف وقفة تأمل عند قوله ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾، هل معنى ذلك أنه خرج فوراً من بطن الحوت؟ لا، ليس بالضرورة؛ فقد يستجيب الله الدعاء ويبقى العبد في بطن الحوت زمناً. فلو توقفت الآية عند هذا الحد لربما مكث سنوات. لكن الحق أردف قائلاً: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾. فالإجابة تأتي على مرحلتين يا ولدي؛ قد يُستجاب دعاؤك ويطول أمد البلاء، وهذا لا يعني الإهمال من حضرة الحق، بل يقول لك لسان الحال: إننا لا نهملك، ولكن قد نكون ادخرناها لك، أو بدلناها بعطية هي خير لك مما طلبت. أنت تدعونا ونحن نستجيب، أما كيف ننجيك ومتى؟ فهذا شأننا وتدبيرنا.
أدب الأنبياء في مقامات البلاء
ولنا في الأنبياء أسوة حسنة في حسن الأدب مع الله في الدعاء. فموسى عليه السلام حينما وقف أمام البحر الصاخب لم يقل: "يا رب شق لي البحر"، بل رد الأمر لله قائلاً: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽⁶⁾. وأيوب عليه السلام حينما ابتلاه الله في بدنه وأهله وماله، لم يقل: "يا رب رد علي بدني ومالي وعيالي"، ولم يقل: "اشفني وداوني وأعطني"، بل تأدب غاية الأدب وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾⁽¹¹⁾. ويونس عليه السلام في ظلمات ثلاث لم يقل: "يا رب أخرجني من ظلمة بحر ولا من ظلمة حوت"، بل أفرد الله بالتوحيد ونزهه عن النقص.
فحينما يُعوّد الموحد توحيده على قدرة الله المطلقة، تتفعل من قدرة الله قدراتٌ تُعطل من الأسباب الكونية قَدَرَها، وتفعل في تلك الأسباب ما لم يكن فيها من طاقة وقدرة. لقد كان هؤلاء الأنبياء العظام لا يطلبون من الله قضاء الحوائج فحسب، بل كانوا يطلبون "الله" ذاته، رضا وقرباً.
وتأمل قصة يعقوب عليه السلام؛ ألم يكن يدعو الله ليل نهار ليرد عليه يوسف؟ بلى. وكم سنة قضاها بعيداً عن ولده؟ عشرات السنين. لقد استجاب الله له من أول دعوة، بل استجاب له في كل دعوة دعاها، ولكنه سبحانه ادخر اللقاء للوقت الذي يصلح فيه أن يتقابلا بحكمته البالغة. لأن يوسف ويعقوب يعلمان تمام العلم أن الله سبحانه وتعالى له مع كل نَفَس يُبديه قَدَرٌ فيه يُمضيه.
الوصفة المحمدية لشفاء القلوب وجلاء الهموم
ولقد كان نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم يُعلم بضعته السيدة فاطمة الزهراء أن تتأدب مع هذا المعنى الجليل، ففي الحديث الصحيح يقول لها: «يا فاطمة ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»⁽¹²⁾. وهذا يعود بنا للقاعدة: "ما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه". فلأنه هو المتصرف الأوحد في مسار حياتك، وجب عليك أن تناديه دائماً بصفة قيوميته وحياته المطلقة.
ويا من تعاني من ضيق الصدر والاكتئاب، اقرأ هذا الدعاء النبوي؛ فإن له من الأثر العجيب ما يطرد وسوسة الشيطان وأثره من قلبك، فينبت مكانه ربيعاً أخضر من التسليم واليقين والإحساس العميق بالعبودية لله. إنني أؤكد لنفسي على مقام العبودية لأستشعر وجود الربوبية، وأعرف أنني مجرد عبد، وما دمت عبداً وهو سيدي ومولاي، فالأدب يقتضي أن أترك له الأمر يتصرف فيه كيف يشاء، وحينها يتنزل على القلب فرح وثقة ويقين لا يُقاس.
وتأمل هذا الدعاء العظيم: «اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»... (وهنا تقف متسائلاً: يا الله، بعد كل هذا التوسل العظيم، ماذا ستطلب؟ هل الجنة؟) وتأتي الإجابة: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي»⁽¹³⁾. ومعنى أن يكون القرآن ربيع قلبك؛ أن يستحيل باطنك إلى جنة غناء، تمنع قوى الشيطان من سُكناها، فلا يحزنك شيطان على أمسٍ قد فات، ولا يخوفك من غدٍ هو آت. وقد بشرنا الحبيب المصطفى قائلاً: «ما قالها عبد قط، إلا أذهب الله همه، وأبدله مكان حزنه فرحاً»⁽¹³⁾. فهذا هو العلاج الناجع للاكتئاب، لضيق التنفس الروحي، لمشاكل البيوت المعقدة، ولضعف الإيمان.
فينبغي لكل من تناهى إلى سمعه هذا الحديث أن يتعلمه ويحفظه. أول مقاماته: "اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك"؛ أي أنني أنا ووالدي وآبائي وأجدادي وأبنائي وبناتي وزوجاتي جميعنا وقوفٌ على باب فضلك. وكلمة "أنا عبدك" تعني أنني حملت حقيبة مسؤولياتي، وجمعت ملفات همومي بأكملها، وطرحتها على الأعتاب المقدسة، ليتصرف هو بحكمته، وأنا على يقين واثق بحكمه، راضٍ بحكمته، قانع بعطيته، شاكر لنعمته، ومتأدب غاية الأدب في رحاب عظمته.
سراج اليقين وشفاء الصدور الموقنة
يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾⁽¹⁴⁾. فكيف تذكر الله يا ولدي ولا يطمئن قلبك؟ ما القصة وما السر وراء ذلك؟ لقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إن أخي يشتكي بطنه، فأمره النبي أن يسقيه عسلاً. فذهب الرجل وسقاه، ثم عاد في اليوم التالي قائلاً: يا رسول الله سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً (أي زاد وجعه)! فجاء الرد النبوي الحاسم: «صدق الله وكذبت بطن أخيك»⁽¹⁵⁾. العسل فيه الشفاء يقيناً، ولكن الخلل في بطن أخيك التي لم تصدق سر الشفاء، ولم تستقبل الدواء بيقين.
فكذلك أنت يا من تقرأ ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾⁽¹⁴⁾؛ تذكر الله وما زلت تبكي على الأمس؟ تذكر الله وما زلت ترتعد قلقاً من الغد؟ إذن فذكرك ذاته محتاج إلى ذِكر! وشيخك ومربيك بحاجة إلى أن يضعك على جمرة اليقين، ويُوقد لك سراج اليقين، ويصهرك في تنور الرضا، ويُقلبك على مهاد التسليم، ويُنقيك بغرابيل الصفاء، ويُعلق قلبك بشباك المصطفى، ويرفعك بروافع الرضا ومعارجه، لتترقى في المقامات حتى ترضى، لعل روحك ترضى عن الله. لأن أخا هذا الرجل حين تناول العسل كان في قلبه شيء من التجربة والاختبار، كان يترقب: هل سينفع أم لا؟ ولو تناوله بيقينٍ مستمد من قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾⁽¹⁶⁾، لمضى وسرى فيه سر الشفاء التام.
التسليم المطلق لمقادير الملك الحق
لا أحد في هذا الكون الفسيح يملك نفعاً ولا ضراً إلا الله سبحانه وتعالى. فالذي يضمر لك الحسد، أتدري مع من أساء الأدب؟ إن الحسد من كبائر الذنوب، وتعرفون لماذا؟ لأنه في جوهره ليس إلا إساءة أدب على الله واعتراضاً على قسمته. فلا أحد في الدنيا أبداً بقادر على أن يضر إنساناً أراد الله نفعه، ولا أحد في الدنيا أبداً يستطيع أن ينفع إنساناً أراد الله به ضراً. يجب أن نعي هذا الكلام جيداً. وفي الحديث: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك»⁽¹⁷⁾.. فإذا كان الأمر كذلك، فلنكن مع الله من البداية، فما الذي يجعلنا ندور في فلك الخلق والأمة؟ قل: الله، وذرهم في خوضهم يلعبون.
يجب على المؤمن إذا أحس بشيء من التعب أو نصب الدنيا أن يهرع مسرعاً إلى الصلاة ومحراب المناجاة. يقول العارف بالله الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: "ما من بلاء يحل بك، أو قبض يرد عليك، إلا وهو ابن ثلاثة: إما أنها وقيعة ذنب أذنبته"⁽¹⁸⁾، ففي هذه الحالة تكون البلية عقوبة لذنب، وعلاجها الاستغفار. فإن لم تنفرج الغمة بالاستغفار؟ قال الإمام: "فتحصن ربما أنه لَمَم"، أي سحر أو حسد وعين، فإذا قرأت وتحصنت واستغفرت وتبتلت ودعوت ورجوت ولم تنفرج الأزمة؟ قال الإمام: "فسلِّم، لعلها من مجاري قضاء الله، وستمر بكل خير، ويبقى لك أثر الأجر"⁽¹⁸⁾. هكذا يكون الفهم عن الله في الرخاء والشدة.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة التوحيد واليقين ومقامات التسليم في كربات الزمان | للدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- يمكنك معرفة المزيد عن الحدث الذي يتناوله الفيديو من هنا (الشيخ جابر بغدادي يضع "روشتة اليقين" للخروج من الشدائد وعلاج الاكتئاب ببركة التسليم والدعاء)الأخبار
