Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة التوحيد واليقين ومقامات التسليم في كربات الزمان | للدكتور جابر بغدادي

مقال عقدي تفصيلي يستنبط معاني التوحيد وتصحيح المفاهيم من دروس فضيلة الدكتور جابر بغدادي، متناولاً عقيدة الإيمان بالقدر، وتوحيد الأفعال، واليقين في مسبب الأسباب، مع بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الجمع بين التوكل القلبي والأخذ بالأسباب فراراً من مزالق العقيدة الجبرية الباطلة.

عقيدة التوحيد في مواجهة نوائب الأسباب

وأنت تقف يا ولدي في غياهب الشدة التي ألمت بك، وجب عليك أن تؤسس بصيرتك على قاعدة عقدية راسخة؛ وهي أن هذه الشدة ما هي إلا سبب من الأسباب الدنيوية المخلوقة. وتلك هي العقيدة النورانية والطريقة الإيمانية التي يخرج بها الموحدون من ضيق النكد ومحن الحياة. فإذا انقطع الرزق من محل من المحال المادية، فاعلم يقيناً بعقيدة لا تشوبها شائبة أن "الرزاق" سبحانه موجود لا يزول، وأن صفة الرزق قائمة بذاته العلية لا تتعطل. وإذا رفع السبب الدنيوي يده عنك قائلاً بلسان الحال أو المقال: "ليس عندي حيلة"، فتذكر أن الله جل جلاله خزائنه ملأى لا تنفد أبداً. لقد صاغ العارفون أئمة الهدى هذا المعنى العقدي الدقيق حين قالوا: "ما من نفَس تُبديه، إلا وله قَدَرٌ فيك يُمضيه"⁽¹⁾.

إن أولياء الله وأهل البصائر قد وصلوا إلى مقام السكينة الذي وصفه الحق سبحانه في كتابه الكريم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾⁽²⁾. فهل لنا أن نتأمل يا ولدي، مما يكون الخوف؟ وما منشأ الحزن؟ إن الخوف في حقيقته لا يكون إلا من غيب المستقبل وما يحمله الغد، بينما الحزن ينصب دائماً على الماضي وما انقضى من الأمس؛ فجاء التوجيه العقدي القرآني القاطع ليرسخ الإيمان بالقدر خيره وشره: ﴿لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾⁽³⁾. فكيف ارتقوا إلى هذا المقام الأسمى من العقيدة الصافية؟ لقد ارتقوا حين قرأوا حِكم العارفين وتفهموها بعمق، فأدركوا أن كل نَفَس يتنفسونه يحمل قَدَراً من الله ماضياً فيهم لا محالة، فأسلموا قيادهم للملك الحق.

وهنا يجب أن نُحذر من مزلق خطير، لئلا يفهم القارئ هذا التسليم فهماً خاطئاً يقوده إلى العقيدة الجبرية الباطلة؛ فالتسليم لقدر الله لا يعني أبداً تعطيل الجوارح عن العمل والقعود عن الأخذ بالأسباب، بل إن حقيقة التوحيد عند أهل السنة والجماعة أن تأخذ بالأسباب بجوارحك طاعةً لأمر الله، وأن يتوكل قلبك على مسبب الأسباب إيماناً بقدرة الله، فديننا دين عمل وبناء لا دين تواكل وعجز.

عقيدة توحيد الأفعال في مدرسة الكليم

تأمل معي يا ولدي في البعد العقدي لقصة نبي الله موسى عليه السلام؛ فقد حملت به أمه وحان موعد ولادته في ذات العام الذي كان يذبح فيه فرعون صبيان بني إسرائيل. يصور القرآن هذا المشهد المهيب بقوله: ﴿وَإِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾⁽⁴⁾. ولكن، كيف كان هذا الربط الإلهي العقدي على قلب أم موسى؟ لقد رُفع الحجاب عن بصيرتها، فعلمت يقيناً أن الأسباب الكونية ليس لها استقلالية في الفعل، بل هي لا تتعطل عن أداء وظيفتها ولا تتفعل في تأثيرها إلا بإذن الله جل وعلا، خالق الأسباب والمسببات. لقد أراها الحق سبحانه عجائب قدرته، وكشف لها عن أسرار لطفه الخفي حين تسري تلك الأسرار في العدم فتُحيله إلى وجود ملموس.

لقد كان وضع موسى الرضيع في التابوت، تجربة إلهية مُحكمة الإعداد، ليُدرك في مستقبل أيامه حقيقة الأسباب وتوحيد الأفعال. فعندما التقى بالخضر عليه السلام وخرق السفينة، تساءل موسى متعجباً: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾⁽⁵⁾؟ فهل أخرقتها لتغرق أهلها حقاً؟ فيأتيه الجواب بلسان الحال: هل غرقت أنت يا موسى حين رمتك أمك في لجج البحر؟ إنها يا بني تدريبات ربانية متدرجة لترسيخ شجرة اليقين في القلب، ليعلم أن الغرق ليس من فعل الماء، بل هو خلق من خلق الله متى شاء أوجده، ومتى شاء سلبه.

الإدراك الإلهي واليقين في مواجهة الأسباب المادية

لقد مرّ سيدنا موسى عليه السلام بثلاثة مواقف كبرى مع البحر، تنطق كلها بلسان التوحيد. المرة الأولى حين ألقته أمه في اليم؛ فهل غرق الطفل الرضيع بمجرد التقائه بالماء؟ حاشا لله أن يغرق من تكفل الله بحفظه. والموقف الثاني حين كان برفقة الخضر في البحر وخرق السفينة؛ ليعلمه درساً جديداً في إمضاء الأقدار. لقد جمع الله لموسى عليه السلام هذه الملفات العقدية والمواقف ليكون مستعداً لليوم الموعود، يوم أن يقف أمام البحر الأحمر هارباً من فرعون، وهو يعلم علم اليقين أن الأسباب المادية لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً. لقد علم أن البحر في ذاته لا يملك قوة الإغراق، لأن وراء البحر إلهاً قادراً على أن يحمي حياة عباده. فالبحر ليس إلا مخلوقاً مأموراً، ولا يملك بإرادته المستقلة أن يغرق طفلاً صغيراً في لفة قماش، ولا سفينة معطوبة مخروقة.

ولذلك، حين صرخ بنو إسرائيل واعتمدوا على الرؤية المادية للأسباب قائلين: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾⁽⁶⁾، ماذا كان رد الكليم صاحب العقيدة الراسخة؟ هل قال إن معي البحر يحميني؟ أم قال إن معي الله؟ بل صدح بيقين راسخ: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽⁷⁾. من أين استقى موسى هذا اليقين العظيم؟ لقد جاءه من شهود العرفان والتوحيد يوم ألقته أمه جنيناً لا يقوى على السباحة، فعرف أن الذي حفظه وسار به في عنايته حتى أوصله إلى قصر فرعون هو الله، وأن الذي سخر فرعون -وهو الجبار الذي كان يبحث عنه ليقتله- ليجعله بمثابة الأب المربي له هو الله سبحانه، وأن الأمر كله بيد الله؛ ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾⁽⁸⁾.

إذن، نعود للقاعدة الذهبية في الإيمان بالقدر: "ما من نفَس تُبديه إلا وله قَدَرٌ فيك يُمضيه". فإذا استبد بك الخوف على ولدك، فماذا تصنعين يا أم موسى؟ يقول الحق المالك المتصرف: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾⁽⁹⁾. ارمي فلذة كبدك في لجج الماء ولا يعتريك خوف ولا حزن! وقد يتساءل العقل البشري القاصر: أليست هذه الأم بشراً تتألم وتنفطر؟ بلى، ولكننا تجلينا عليها وربطنا على قلبها بعقيدة اليقين. وكيف كان الربط؟ لقد أكدنا لقلبها حضورنا ومعيتنا، وأشهدناها سر قدرتنا المطلقة، وعرّفناها في باطنها أن الله هو القيوم، وأن هذه المملكة الكونية لها ملك مدبر يصرف شؤونها، وأن هذا البحر بعظيم جلاله وهيبته في عين الناظر لا يملك أن يغرق نملة إلا بأمرنا وإرادتنا، لأن لهذا البحر إلهاً خالقاً متى قال للشيء كن، فإنه يكون.

عقيدة التنزيه في مناجاة الظلمات الثلاث

وتأمل يا ولدي في حال نبي الله ذي النون (يونس) عليه السلام، وكيف تتجلى العقيدة الصحيحة في أحلك المواقف: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ﴾⁽¹⁰⁾. لقد أُحيط بظلمات ثلاث قاهرة للأسباب الدنيوية: ظلمة الليل البهيم، وظلمة أعماق البحر، وظلمة بطن الحوت. لقد أُغلقت عليه الأبواب كمن وُضع في ثلاثة أكياس محكمة أو ثلاث خزائن مغلقة لا منفذ لها، إلا أن الله سبحانه وتعالى مالك الملك أراد أن يُعطل مفاعيل الأشياء ونواميس الكون ليريه سر توحيد الأفعال. انظر إلى البحر بعظيم مهابته، وانظر إلى الليل بجلال عتمته، وانظر إلى الحوت بعظيم بنيته وقوته؛ كلها مخلوقات مقهورة لم تستطع أن تنهي حياته إلا بإذن باريها!

في هذا الكرب العظيم، صدح صوته في الظلمات بكلمة التوحيد الخالص: ﴿أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾⁽¹⁰⁾. لقد نادى مؤكداً عقيدة التنزيه؛ أنه لا البحر إله يُعبد أو يُرهب، ولا الحوت إله يُخشى بطشه، ولا الليل إله يُخاف من ظلمته. وكأنه يقول مقراً بضعفه: إني كنت من الظالمين لنفسي حين اعتمدت في لحظة على البحر أو الليل أو غيرهما من الأسباب. وماذا كانت النتيجة الإلهية لهذا التوحيد؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾⁽¹¹⁾. هذه هي الطريقة الإيمانية والعقيدة العملية التي يخرج بها المؤمنون الموحدون من نكد الدنيا وهمومها: دعوة ذي النون وتجريد التوحيد.

وأنت في خضم مشكلتك وأزمتك، تذكر دائماً عقيدة أهل السنة؛ أن هذه الشدة ما هي إلا سبب. ليمسك كل واحد منكم بمشكلته ويقرأ عليها بيقين الموحد: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". واسأل نفسك: متى كنت ظالماً؟ كنت ظالماً حين توهمت بفكري القاصر أن مصنعي أو تجارتي أو وظيفتي هي التي ترزقني لذاتها. فإذا اعترفت لله بالوحدانية المطلقة ولنفسك بالتقصير والتبري من الحول والقوة، جاءك الجواب الرباني: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾.

إن السر العجيب الذي أدركه يونس عليه السلام في بطن الحوت، أنه لم يطلب الخروج المجرد كغاية مادية، بل أدرك حق اليقين أن هذه المملكة الكونية بعظمتها يقف وراءها مليك عظيم يديرها ويدبر أمرها، بيده الإحياء والإماتة، ولا يقع في ملكه إلا ما أراد. ولنقف وقفة تأمل عقدي عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾، هل معنى ذلك أنه خرج فوراً من بطن الحوت؟ لا، ليس بالضرورة؛ فقد يستجيب الله الدعاء ويبقى العبد في بطن الحوت زمناً لحكمة يعلمها الله. فلو توقفت الآية عند هذا الحد لربما مكث سنوات. لكن الحق أردف قائلاً: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾. فالإجابة تأتي على مرحلتين يا ولدي؛ قد يُستجاب دعاؤك ويطول أمد البلاء، وهذا لا يعني الإهمال من حضرة الحق، بل هذه عقيدة المسلم في الدعاء: إننا لا نهملك، ولكن قد نكون ادخرناها لك في الآخرة، أو صرفنا عنك من السوء مثلها، أو بدلناها بعطية هي خير لك مما طلبت. أنت تدعونا ونحن نستجيب، أما كيف ننجيك ومتى؟ فهذا شأننا وتدبيرنا المرتكز على كمال حكمتنا.

أدب الأنبياء وعقيدة التسليم في مقامات البلاء

ولنا في أنبياء الله ورسله أسوة حسنة في كمال العقيدة وحسن الأدب مع الله في الدعاء. فموسى عليه السلام حينما وقف أمام البحر الصاخب لم يقل: "يا رب شق لي البحر"، بل رد الأمر لتدبير الله قائلاً: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽⁷⁾. وأيوب عليه السلام حينما ابتلاه الله في بدنه وأهله وماله، لم يقل معترضاً أو متأففاً: "يا رب رد علي بدني ومالي وعيالي"، ولم يقل بصيغة الأمر: "اشفني وداوني وأعطني"، بل تأدب غاية الأدب العقدي وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾⁽¹²⁾. ويونس عليه السلام في ظلمات ثلاث لم يقل: "يا رب أخرجني من ظلمة بحر ولا من ظلمة حوت"، بل أفرد الله بالتوحيد ونزهه عن النقص.

فحينما يُعوّد الموحد توحيده على قدرة الله المطلقة وتصريفه الشامل، تتفعل من قدرة الله قدراتٌ تُعطل من الأسباب الكونية قَدَرَها وخصائصها المعتادة، وتفعل في تلك الأسباب ما لم يكن فيها من طاقة وقدرة طبيعية. لقد كان هؤلاء الأنبياء العظام لا يطلبون من الله قضاء الحوائج الدنيوية فحسب، بل كانوا يطلبون "الله" ذاته، رضا وقرباً وتسليماً لقضائه.

وتأمل عقيدة يعقوب عليه السلام في قضية الصبر والدعاء؛ ألم يكن يدعو الله ليل نهار ليرد عليه يوسف؟ بلى. وكم سنة قضاها بعيداً عن ولده؟ عشرات السنين. لقد استجاب الله له من أول دعوة، بل استجاب له في كل دعوة دعاها، ولكنه سبحانه ادخر اللقاء للوقت الذي يصلح فيه أن يتقابلا بحكمته البالغة. لأن يوسف ويعقوب يعلمان تمام العلم العقدي أن الله سبحانه وتعالى له مع كل نَفَس يُبديه قَدَرٌ فيه يُمضيه، وأن تأخير الإجابة هو من عين العطاء إذا اقترن بالرضا.

العقيدة المحمدية في دعاء الكرب واليقين

ولقد كان نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم يُعلم بضعته السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها أن تتأدب مع هذا المعنى العقدي الجليل، وتُرسخ الإيمان بالقيومية، ففي الحديث الصحيح يقول لها: «يا فاطمة ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»⁽¹³⁾. وهذا يعود بنا للقاعدة العقدية: "ما من نفس تبديه إلا وله قدر فيك يمضيه". فلأنه سبحانه هو المتصرف الأوحد في مسار حياتك، وجب عليك أن تناديه دائماً بصفة قيوميته وحياته المطلقة التي لا يعتريها فناء ولا نقص.

ويا من تعاني من ضيق الصدر والاكتئاب، اقرأ هذا الدعاء النبوي متدبراً لمعانيه العقدية؛ فإن له من الأثر العجيب ما يطرد وسوسة الشيطان وأثره من قلبك، فينبت مكانه ربيعاً أخضر من التسليم واليقين والإحساس العميق بالعبودية لله. إنني حين أردد هذا الدعاء، أؤكد لنفسي على مقام العبودية لأستشعر وجود الربوبية وقدرتها، وأعرف أنني مجرد عبد ضعيف، وما دمت عبداً وهو سيدي ومولاي وخالقي، فالأدب والعقيدة يقتضيان أن أترك له الأمر يتصرف فيه كيف يشاء بحكمته، وحينها يتنزل على القلب فرح وثقة ويقين لا يُقاس.

وتأمل أيضاً هذا الدعاء العقدي العظيم في تسليم الأمر لله: «اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك»... (وهنا تقف متسائلاً بلسان العوام: يا الله، بعد كل هذا التوسل العظيم بصفات الجلال والكمال، ماذا ستطلب؟ هل الجنة؟) وتأتي الإجابة المحمدية العميقة: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي»⁽¹⁴⁾. ومعنى أن يكون القرآن ربيع قلبك؛ أن يستحيل باطنك إلى جنة غناء عامرة بالوحي واليقين، تمنع قوى الشيطان من سُكناها، فلا يحزنك شيطان على أمسٍ قد فات، ولا يخوفك من غدٍ هو آت بيد الله. وقد بشرنا الحبيب المصطفى الصادق المصدوق في إرساء هذه العقيدة قائلاً: «فما من مسلم يدعو الله بها، إلا فرج الله همه، وأبدله به فرجاً وفرحاً»⁽¹⁴⁾. فهذا هو العلاج العقدي الناجع للاكتئاب، لضيق التنفس الروحي، لمشاكل البيوت المعقدة، ولضعف الإيمان.

فينبغي لكل من تناهى إلى سمعه هذا الحديث أن يتعلمه ويحفظه ويعتقده. أول مقاماته العقدية: "اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك"؛ أي إقرار واعتراف بأنني أنا ووالدي وآبائي وأجدادي وأبنائي وبناتي وزوجاتي جميعنا وقوفٌ على باب فضلك، لا غنى لنا عنك طرفة عين. وكلمة "أنا عبدك" تعني أنني حملت حقيبة مسؤولياتي، وجمعت ملفات همومي وضعفي بأكملها، وطرحتها على الأعتاب الإلهية، ليتصرف هو بحكمته، وأنا على يقين واثق بحكمه، راضٍ بحكمته، قانع بعطيته، شاكر لنعمته، ومتأدب غاية الأدب في رحاب عظمته.

عقيدة الشفاء ومسبب الأسباب

يقول الحق تبارك وتعالى مبيناً أثر التوحيد الصافي: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾⁽¹⁵⁾. فكيف تذكر الله يا ولدي ولا يطمئن قلبك؟ ما القصة وما السر العقدي وراء ذلك؟ لقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إن أخي يشتكي بطنه، فأمره النبي أن يسقيه عسلاً. فذهب الرجل وسقاه، ثم عاد في اليوم التالي قائلاً: يا رسول الله سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً (أي زاد وجعه)! فجاء الرد النبوي الحاسم الذي يرسخ العقيدة: «صدق الله وكذبت بطن أخيك»⁽¹⁶⁾. العسل فيه الشفاء يقيناً، فهو سبب جعله الله للشفاء، ولكن الخلل في بطن أخيك التي لم تتوافق مع سر الشفاء، فالله سبحانه هو الشافي، والدواء سبب قد يعمل وقد يتخلف إن لم يأذن الله له بالعمل. وهذا تأكيد على أن الأسباب لا تعمل بذاتها، بل تعمل بأمر خالقها.

فكذلك أنت يا من تقرأ ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾⁽¹⁵⁾؛ تذكر الله وما زلت تبكي على الأمس؟ تذكر الله وما زلت ترتعد قلقاً من الغد؟ إذن فذكرك ذاته محتاج إلى ذِكر! لأن التوحيد لم يستقر في القلب بعد. وشيخك ومربيك بحاجة إلى أن يضعك على جمرة اليقين العقدي، ويُوقد لك سراج اليقين، ويصهرك في تنور الرضا، ويُقلبك على مهاد التسليم المطلق لله، ويُنقيك بغرابيل الصفاء من شوائب الشرك الخفي والاعتماد على المخلوقين، ويُعلق قلبك بشباك المصطفى صلى الله عليه وسلم محبة واتباعاً، ويرفعك بروافع الرضا ومعارجه، لتترقى في مقامات التوحيد حتى ترضى عن قضاء الله وقدره، لعل روحك ترضى وتستكين. لأن أخا هذا الرجل حين تناول العسل كان في قلبه شيء من التجربة والاختبار العقدي، كان يترقب: هل سينفع أم لا؟ ولو تناوله بيقينٍ مستمد من قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾⁽¹⁷⁾، وموقناً أن الله هو الشافي، لكان مضى وسرى فيه سر الشفاء التام. ونعود لنؤكد: نحن نأخذ بالدواء (السبب) امتثالاً للشرع، ونتوكل على الشافي (الله) تحقيقاً للتوحيد، فراراً من بدعة الجبرية وتعطيل الأسباب.

الحسد وإساءة الأدب في العقيدة

لا أحد في هذا الكون الفسيح يملك نفعاً ولا ضراً إلا الله سبحانه وتعالى القاهر فوق عباده. فالذي يضمر لك الحسد، أتدري مع من أساء الأدب حقاً؟ إن الحاسد هذا، وهو يرتكب كبيرة من الكبائر، تعرفون لماذا عُد الحسد من الكبائر؟ لأنه في جوهره العقدي ليس إلا إساءة أدب على الله، واعتراضاً صريحاً على قسمته ومشيئته التي اختص بها عبداً من عباده. فلا أحد في الدنيا أبداً بقادر على أن يضر إنساناً أراد الله نفعه، ولا أحد في الدنيا أبداً يستطيع أن ينفع إنساناً أراد الله به ضراً. يجب أن نعي هذا الكلام جيداً ونحفر هذه العقيدة في صدورنا.

ولنستمع إلى وصية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة لأسس العقيدة في القدر: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك»⁽¹⁸⁾.. بشيء قد كتبه الله! فإذا كان الأمر مفروغاً منه ومقدراً سلفاً في اللوح المحفوظ، فلنكن مع الله من البداية، فما الذي يجعلنا ندور في فلك الخلق ونرتجي الأمة ونخشاها؟ قل: الله، واستعن به وحده في جلب المنافع ودفع المضار.

الفهم العقدي لفلسفة الابتلاء والمصائب

يجب على المؤمن إذا أحس بشيء من التعب أو ألمت به نوائب الدنيا أن يهرع مسرعاً إلى الصلاة ومحراب المناجاة ليرد الأمر إلى مالكه. يقول العارف بالله الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه موجهاً بوصلة العقيدة في فهم الابتلاء: "ما من بلاء يحل بك، أو قبض يرد عليك، إلا وهو ابن ثلاثة: إما أنها وقيعة ذنب أذنبته"⁽¹⁹⁾، ففي هذه الحالة تكون البلية عقوبة مادية أو معنوية لذنب اقترفته، وعلاجها الإيماني هو الاستغفار والرجوع إلى الله. فإن لم تنفرج الغمة بالاستغفار؟ قال الإمام: "فتحصن ربما أنه لَمَم"، أي سحر أو حسد وعين من قوى خفية لا تضر إلا بإذن الله، فإذا قرأت وتحصنت واستغفرت وتبتلت ودعوت ورجوت ولم تنفرج الأزمة ولم تُكشف الغمة؟ فهنا يتجلى المقام العقدي الأعلى، قال الإمام: "فسلِّم، لعلها من مجاري قضاء الله، وستمر بكل خير، ويبقى لك أثر الأجر"⁽¹⁹⁾. هكذا يكون الفهم العميق عن الله في الرخاء والشدة، استسلاماً لقضائه، وعملاً بمرضاته، ونفياً لكل قوة أو حول إلا بالله العلي العظيم.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي