"بأي عمل استحق هذا الصحابي وزوجته الثناء من فوق سبع سموات؟"
"بأي عمل استحق هذا الصحابي وزوجته الثناء من فوق سبع سموات؟"
ما أجمل -يا ولدي- أن تسعى في تفريج كرب إنسان، لا لشيء إلا إكراماً لخاطر حضرة النبي رسول الله ﷺ! استمع إلي بقلبك النابض بالمحبة؛ فقد جاء رجل إلى الجناب النبوي الشريف مستضيفاً، فأرسل الحبيب المصطفى ﷺ إلى نسائه يطلب طعاماً لضيفه، فأجبنه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن بقلة ذات اليد قائلات: "ليس عندنا إلا الماء". هنا التفت الرحمة المهداة ﷺ إلى أصحابه متسائلاً ومستنهضاً هممهم: «مَنْ يُضِيفُ هَذَا؟» ⁽¹⁾، فنهض رجل من الأنصار الأبرار الأوفياء وقال بلسان المحب الصادق: "أنا يا رسول الله".
أخذ هذا الأنصاري الضيف الكريم ومضى به مسرعاً إلى دارة، ودخل على زوجته الصالحة قائلاً بلهفة المحب الممتثل لأمر نبيه: "ضيفي ضيف رسول الله ﷺ". غير أن الزوجة واجهته بحقيقة واقعهم المرير وجهدهم الشديد فقالت: "ليس عندنا إلا طعام الصبيان". في تلك اللحظة الحرجة والموقف العصيب، نطق الصحابي بثلاث كلمات جليلة القدر يكتبها المحبون بماء الذهب حباً وتضحية، فقال لزوجته: "هيئي طعامك، وأصبحي سراجك -أي أطفئيه تلميحاً وإيهاماً باقتراب الصبح والتأهب للنوم- ونومي صبيانك".
وبالفعل، قامت المرأة الصالحة بما أمر؛ فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوّمت صبيانها الصغار جياعاً، ثم تقدمت نحو السراج كأنما تصلحه وتعدل من شأنه فما كان منها إلا أن أطفأته بحيلة ذكية، ثم جلسا مع الضيف في عتمة الليل يوهمانه ويريانه في الظلام أنهما يأكلان معه ويشاركانه الزاد، وباتا تلك الليلة طاويين على الجوع الشديد، دون أن تذوق جوارحهما كسرة خبز.
فما إن أشرق الصبح، وغدوا مسرعين إلى الجناب النبوي ﷺ، حتى جاءهم الأثر العظيم، ليس من أهل الأرض، بل جاءهم الثناء العاطر والفيض الغامر من فوق سبع سماوات! قال لهما الحبيب المصطفى ﷺ متبسماً مستبشراً: «لَقَدْ ضَحِكَ اللَّهُ -أَوْ قَالَ عَجِبَ اللَّهُ- مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» ⁽¹⁾، وأنزل الحق سبحانه وتعالى في حقهم قرآناً يُتلى غضاً طرياً إلى يوم الدين: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ⁽²⁾. ولتعلم يا ولدي أن معنى "ضحك الله" في سياق بلاغة أهل الله ورحمته إنما هو نزول رحمته ورضوانه العظيم وجزيل فضله عليهما.
تأمل معي يا ولدي بعين البصيرة والتحقيق الروحاني؛ إن هذا الرجل الأنصاري لم يكن قد سمع الحديث الشريف الذي أرويه لك الآن، ولم يقرأ الآية التي نزلت في شأنه؛ إنما عمل هذا الصنيع العظيم العجيب لمجرد أن النبي ﷺ طلب ذلك وقال من يضيف هذا، فجاءت النتيجة الربانية والثناء الإلهي بعد الفعل لا قبله. أما نحن اليوم في هذا العصر، فإننا حين نجود ونعطي ونكرم، فإنما نفعل ذلك لأننا نعلم الجزاء مسبقاً، ونعلم ما وعد الله به أهل الإيثار في محكم التنزيل بـ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ﴾، ونعلم وعود الضحك والعجب الإلهي بصنيع الصالحين؛ إننا نعمل ونحن على علم ويقين بالثواب والجزاء، بينما أولئك الأخيار من السلف الصالح لم يكونوا يعلمون مسبقاً ماذا سيحدث لو باتوا وزوجاتهم وأطفالهم جياعاً طاويين من أجل رجل غريب لا يعرفونه! إنما الدافع المحرك الوحيد لهم هو المحبة المحضة وامتثال أمر الحبيب ﷺ حين قال خذوا هذا الضيف وأكرموه.
لذا، اجعل هذا المنهج ديدنك في الحياة يا ولدي؛ اعتبر هذه الأمة بأسرها وعوام المسلمين ضيوفاً على سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ. أكرموا المساكين والضعفاء من أجل الجناب النبوي، واستروا المحتاجين والفقراء حباً وكرامة في رسول الله ﷺ ومراعاة لخاطره الشريف.
وفي هذا المقام الأدبي الرفيع، ينقلنا الشوق إلى سِيَر مقامات رجال الله؛ فهذا هو الإمام القطب الغوث سيدي أبو الحسن الشاذلي -علي بن عبد الله بن عبد الجبار الحسني الشاذلي، المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، مؤسس الطريقة الشاذلية الصوفية وإمام المحققين في زمانه- ⁽³⁾ يرفع أكف الضراعة مناجياً ربه بدعاء عجيب فيقول: "اللهم أغنني بلا سبب، واجعلني سبب الغنى لأوليائك، وبرزخاً بينهم وبين أعدائك" ⁽٤⁾.
ولنا أن نتساءل: لمَ يطلب هذا العارف الزاهد الغنى والمال وهو العازف عن الدنيا وزخرفها؟ إنما تكمن الإجابة في غيرته المحمدية ومروءته الروحية؛ فقد استحل طلب الغنى من غير أسباب دنيوية لأنه لم يكن واقفاً مع الأسباب المادية بل كان وافقاً بالكلية مع مسبب الأسباب سبحانه وتعالى. كان كل همه ومبتغاه أن يمسك بجميع فقراء الحي ليسعدهم ويغنيهم، وأن يحمي الضعفاء والأيتام؛ فلا يقف يتيم مكسور القلب على باب من لا يعرف حرمة اليتيم وقدره فيقهره ويذله، ولا يقف مسلم محتاج من عامة المسلمين على باب من يساومه على دينه وعرضه ويفتنه في عقيدته ومبادئه. هذه هي المروءة الحقيقية لأهل الله الصالحين.
وعلى هذا الدرب الروحاني العالي، كان العارف بالله تعالى الشيخ أحمد رضوان الأقصري -المتوفى سنة ١٣٨٧ هـ، من كبار علماء وصوفية صعيد مصر في العصر الحديث ومؤسس الساحة الرضوانية الشهيرة بالأقصر التي حظيت بنفحات مشهودة ومكانة رفيعة- ⁽٥⁾ يدعو بدعوة مباركة جليلة القدر فيقول: "اللهم سُقْ إليَّ من أردتَ سعادتَه، وسُق لي رزقَه قبل أن يأتيني، كي لا يشغلني عنك" ⁽٦⁾.
إن هذا المعنى الروحاني السامي هو عينه الذي تجلى في سيرة سيدنا ونبينا ومولانا رسول الله ﷺ حين أقامه الله سبحانه لخدمة الأمة ورعايتها، وأمدّه بمعطيات غيبية عجيبة وأنوار لدنية تفوق الوصف، حيث أغناه الله الغنى الكامل المطلق من غير أسباب دنيوية معتادة، وخاطبه في محكم التنزيل بالدستور المحمدي الخالد: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ⁽٧⁾.
وهذه الآيات العظيمة هي حقيقة الدعوة الروحية الرضوانية السابقة وجوهرها؛ فمن جاء إلى ساحتنا طالباً للعلم والهداية، أفضنا عليه من علوم الشريعة والحقيقة والنور ما يجعله يرجع إلى أهله سعيداً مستنيراً بالهداية والسكينة، ومن جاءنا طالباً حاجة أو مسألة دنيوية أو سائل مال، بذلنا له ما يريد وما يبتغيه قبل أن ينطق بالسؤال ويقع في ذل الطلب، لكي نغنيه ونعينه ونعفه عن مَذلّة المسألة، ونستغني نحن بالانشغال التام بطلب الحق سبحانه وتعالى والتعلق به دون سواه.
