عنوان المقال: تجليات العقيدة في مرايا السلوك: قراءة تأصيلية في أسرار الإيثار وغنى العارفين .
من أعظم المرتكزات العقدية التي تجلت في هذا الدرس الروحاني، هو تصحيح بوصلة الفهم لصفات الحق سبحانه وتعالى، وذلك عند الوقوف على البشارة النبوية في الحديث المتفق عليه الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ -أَوْ قَالَ ضَحِكَ اللَّهُ- مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ». هنا يتدخل الدكتور جابر بغدادي تدخلاً عقدياً حاسماً لحماية عقيدة المستمع العادي من مزالق الفهم الحرفي الجاف الذي تتبناه بعض المدارس المتنطعة، والتي تثبت "الضحك" والعجب كجوارح وانفعالات بشرية للذات العلية، في تجسيم وتشبيه يتنافى مع جلال الله.
إن التفسير الإشاري السني الذي يقرره الشيخ بأن "الضحك" هنا هو "نزول الرحمة والرضوان العظيم وجزيل الفضل"، ليس تأويلاً مذموماً كما يدعي خصوم التصوف، بل هو عين التنزيه اللائق بكمال الله، وهو المنهج المعتمد عند أئمة الأشاعرة والماتريدية. إن هذا الرد الاستباقي المنهجي ينسف شبهات من يحاولون تقزيم الفهم الروحي باسم "اتباع السلف"؛ فالسلف الصالح كانوا أبعد الناس عن التجسيم. إن العجب المنسوب لله سبحانه هو تعبير عن عظيم القبول لعمل تجرد فيه العبد من حظوظ نفسه، فأشرقت عليه أنوار الرضا الإلهي من فوق سبع سماوات، دون تكييف أو تمثيل.
عقيدة الكسب وتجريد التوكل: التوازن السني في دعاء العارفين
حين ننتقل إلى مقامات سادة التصوف السني، نستوقف طويلاً أمام المناجاة العجيبة لسيدي الإمام أبو الحسن الشاذلي (المتوفى سنة 656 هـ، قطب العارفين وإمام المحققين ومؤسس الطريقة الشاذلية) حين قال: "اللهم أغنني بلا سبب، واجعلني سبب الغنى لأوليائك"، ودعاء العارف بالله الشيخ أحمد رضوان الأقصري (المتوفى سنة 1387 هـ، من كبار علماء ورجال التصوف في العصر الحديث): "اللهم سُقْ إليَّ من أردتَ سعادتَه، وسُق لي رزقَه قبل أن يأتيني". قد يظن الجاهل بعقيدة القوم أن في هذا الدعاء دعوة إلى "العقيدة الجبرية" أو التواكل المذموم وترك السعي والأسباب.
وهنا يجب ضبط البوصلة العقدية بصرامة؛ فمنهج أهل السنة والجماعة قائم على قاعدة ذهبية لا تحيد: "الفعل للعبد كسباً وسعياً، والأثر والتوفيق لله خلقاً وإيجاداً". إن هؤلاء الأئمة لم يتركوا العمل، بل جردوا قلوبهم من الاعتماد على الأسباب ورأوا الفاعل الحقيقي وهو الله. إن الفضل الإلهي واللطف يتوج سعي العبد وانكساره، ولا يعفيه أبداً من مسؤولية العمل والأخذ بالأسباب المادية في ظاهر الأمر، مصداقاً للقاعدة القرآنية الجليلة: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.
إن طلب الإمام الشاذلي للغنى "بلا سبب" هو ذروة اليقين في مسبب الأسباب، وهو ليس تعطيلاً للجوارح، بل هو تفريغ للقلب من الشرك الخفي بالاعتماد على الجهد البشري. لقد طلبوا الغنى ليكونوا وسائل رحمة للخلق، ليكفلوا الأيتام ويستروا السائلين. وهذا يثبت أن التصوف السني هو قمة الفاعلية الإيجابية والمروءة، وليس انزواءً سلبياً جبرياً كما يحاول المغرضون تصويره.
الواسطة المحمدية والمحبة المحضة: عصمة الإرادة ومحرك السلوك
إن المرتكز العقدي الأبرز في قصة الأنصاري يتمثل في "الدافع" الذي حركه لإيثار الضيف والمبيت طاوياً على الجوع مع أهل بيته. لم يكن هذا الصحابي الجليل مدفوعاً بحسابات الثواب والعقاب، ولم يكن يعلم بنزول قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، بل كان محركه الأوحد هو "المحبة المحضة" وتطييب خاطر الجناب النبوي؛ فقد قال كلمته الخالدة: "ضيفي ضيف رسول الله".
هذا الموقف يؤصل بعمق لمشروعية وعصمة "الواسطة المحمدية" في السير إلى الله.
إن الذين يحاربون مدح النبي ﷺ والتقرب بمحبته، ويشنعون على من يجعل إرضاء رسول الله غاية، إنما يضربون في صميم العقيدة باسم "إفراد التوحيد". والرد الأكاديمي الحاسم عليهم هو أن تعظيم النبي ومحبته وإكرام ضيفه لم يكن يوماً شِركاً أو مزاحمة لحق الله، بل هو عين امتثال أمر الله القائل: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. إن الصحابي حين جعل غايته إكرام ضيف الحبيب المصطفى، نال الثناء من رب العالمين، مما يؤكد بقوة وحزم أن محاربة هذا الحب والإنكار على المحبين ليس له أي معنى سوى الجفاف الروحي وقطع الأمة عن منبع إمدادها ونور هدايتها.
خاتمة:
في رحاب هذه الاستنباطات العقدية والروحية التي أضاءها الدكتور جابر بغدادي، ندرك يقيناً أن التصوف السني المرتكز على عقيدة التنزيه ليس مجرد عاطفة مجردة، بل هو بنيان مرصوص يجمع بين حرارة "المحبة المحضة" وانضباط العقل والفعل. إن مذهبنا السني الأصيل يأبى الإفراط في الجبر الذي يعطل جوارح الساعين، ويرفض التفريط في السعي الذي يُنكر قدرة الخالق. فبالقلوب نتوكل ونشهد أن لا فاعل إلا الله، وبالجوارح نكدح ونكتسب ونؤثر على أنفسنا، جاعلين من محبتنا للجناب النبوي الشريف بابنا الأعظم للوصول إلى رضوان الله الذي وسع كل شيء رحمة وعلماً
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط ("بأي عمل استحق هذا الصحابي وزوجته الثناء من فوق سبع سموات؟")المقالات
- إليك التوثيق العلمي الدقيق لما ورد في هذا الفيديو عبر موسوعتنا العلمية الشاملة (أنوار الإيثار ومروءة أهل الله: كيف نال صحابي ثناء من فوق سبع سماوات؟)التوثيق العلمي
الشيخ جابر بغدادي
