Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

أسرار العقيدة في القرب الإلهي والإيمان بالغيب من توجيهات الدكتور جابر بغدادي

مقال عقدي بليغ يستنبط من درر الدكتور جابر بغدادي أصول العقيدة الإسلامية في القرب الإلهي ومعية الله لعباده، ويرسخ الإيمان بالغيب والملائكة، متأملاً في تجلي أسماء الله الحسنى، مع التأكيد على عقيدة أهل السنة والجماعة في الجمع بين صدق العمل والافتقار إلى فضل الخالق جل جلاله.

عقيدة المعية: بين تكليف العبد وتفضل الرب
يطرح العبد المؤمن على نفسه دائماً هذا التساؤل العقدي العميق: كيف أكون مع الله؟ ويجيب العارفون على هذا التساؤل ببيان يجمع بين الشريعة والحقيقة.
خذ مني يا ولدي ثلاث كلمات، فاحفظها بقلبك: أن تذكره فلا تنسى، وأن تطيعه فلا تعصى، وأن ترحم خلقه فلا تقسى.
ولكن، لنتوقف هنا وقفة عقدية صارمة؛ هل الله جل جلاله محتاج إلى طاعتنا أو ذكرنا لكي يكون معنا؟ حاشا لله! وهنا نرسخ عقيدة أهل السنة والجماعة، فالله غني عن العالمين، ومعيته لخلقه هي معية إحاطة وقيومية.
استمع بقلبك إلى قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ⁽¹⁾.
إن "حبل الوريد" هو سر الحياة النابضة في جسدك، فإذا كان هذا الحبل قريباً منك، فإن الله جل جلاله هو الذي يحييك، وهو المتجلي على كيانك.
إنه أقرب إليك من حبل الوريد بعلمه وقدرته وإحاطته.
ويجب التنبيه هنا بقوة إلى أن إدراكنا لفضل الله المطلق وقربه، لا ينبغي أبداً أن يجرنا إلى عقيدة "الجبرية" الباطلة التي تسلب العبد إرادته وتدفعه لترك العمل؛ بل العقيدة الصحيحة هي أن تجتهد في الذكر والطاعة والرحمة كما أُمرت، معتقداً بقلبك أن الفضل كله لله، وأنه هو المقرب والموفق.
تنزيه الخالق وحقيقة الحجاب الحاجز
إذا تقرر في العقيدة أن الله أقرب إلينا من أنفاسنا، فما الذي يمنعنا من شهود هذا القرب؟ لماذا أقول بلسان حالي: "إنني لا أراه ولا أشعر بقربه"؟ الجواب العقدي هو أن الله هو القريب حقاً، متأله في كماله منزه عن التجسيم والحلول، ولكن العبد هو المحجوب.
يقول أهل التحقيق: "دع التلفت ترى، دع ما سوانا ترانا، لا تنشغل بالورى، واشهد مليكك لما وفّاك حين اشترى" ⁽²⁾.
يأتيني السائل قائلاً: "يا سيدنا الشيخ، كيف أصل إلى الله؟" فأجيبه مستنكراً لغفلته: إلى أين تصل يا ولدي؟ إنه أقرب إليك من حبل الوريد! إن المعضلة ليست مسافة تقطعها، فالله منزه عن المكان والزمان، ولكن المعضلة في الحجاب الذي أسدلته على بصيرتك.
لقد كشفت لك سورة "ق" هذا السر العقدي؛ لو فككت رمز القاف لعلمت أن "نفسك" هي حجابك الوحيد عمن تطلب وعمن تريد.
تأمل الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾؛ هذا هو الحجاب.
كما أن في الجسد عضلة تفصل بين أعضائه يسميها الأطباء "الحجاب الحاجز"، فإن نفسك التي بين جنبيك، بأهوائها وغفلتها، هي الحجاب الحاجز الذي يحول دون تجلي أنوار اليقين على قلبك.
فالأمر في العقيدة ليس بحثاً عن إله غائب، بل هو إزالة لغشاوة النفس لتبصر نور الإله الحاضر المحيط.
الإيمان بالغيب: عقيدة الملائكة والمحمية الكونية
من أصول العقيدة الثابتة الإيمان بالغيب، وما أعده الله من جنة ونار، وما خلقه من ملائكة وشياطين.
وفي هذا السياق، يبرز سيدنا النبي معالم هذا الغيب في شهر رمضان، مبشراً ومهنئاً: «أيها الناس قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتصفد فيه الشياطين» ⁽³⁾.
إن هذا التغير الكوني ليس مجرد مجاز، بل هو حقيقة عقدية نؤمن بها؛ حيث تتجلى أسماء الله الحسنى، وتحديداً اسم الله "الجواد"، ليصنع لنا "محمية كونية".
ونحن بدورنا نشكر هذا العطاء الإلهي بالاجتماع على ذكره، محققين بذلك البشارة النبوية: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة» ⁽⁴⁾.
إن الإيمان بالملائكة ووظائفهم ركن ركين؛ أتدري يا ولدي لماذا تحفنا الملائكة؟ إنها تقف لحمايتنا ولإبعاد الشياطين عنا.
أما في هذه المحمية الرمضانية، فقد تكفل الله بصفد الشياطين، فأصبحنا نعيش حقيقةً في جنة فُتّحت أبوابها، وأُغلقت عنا أبواب النيران.
ونحن في هذه الحالة نناجي الله ونقول: "الله"، والله جل جلاله ينادي من ملكوته: «يا باغي الخير أقبل» ⁽⁵⁾.
عقيدة الافتقار في ساعات التجلي ومناجاة القبول
إن ذكرنا لله في هذه المجالس يقع في ساعات ينظر الله فيها إلى قلوب عباده، تحقيقاً لعقيدة الرحمة والنجاة التي أخبرنا بها الصادق المصدوق: «ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة» ⁽⁶⁾.
هذا العتق هو محض فضل من الله، يؤكد عقيدتنا بأن النجاة بفضل الله ورحمته لا بمجرد أعمالنا.
لذا، نرفع أكف الافتقار، مجسدين عقيدة التوكل المطلق والاعتراف بالضعف البشري أمام القوة الإلهية: اللهم لا تخرجنا من هنا إلا وقد جبرت الكسر، وغفرت الذنب، وسترت العيب، وأكرمتنا كرامة الدنيا والآخرة.اللهم سطر أسماءنا في ديوان المقبولين، وبلغنا بكرامة عطفك ليلة القدر.
ونسألك بعظيم سلطانك وقدرتك أن تجود على بلادنا بالحفظ والأمن والأمان والاستقرار، وأن تدفع عنا بربوبيتك الخطر والشر والسحر، وأن تكفينا كيد كل عدو لا يؤمن بيوم الحساب.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5 دقائق