توحيد القصد وحقيقة العبودية.. قراءة عقدية في تحذير الدكتور جابر بغدادي من مقام «عبد الفرج»
توحيدُ القَصْدِ وتَنْزِيهُ العِبَادَةِ عَنْ شَوَائِبِ العِوَض
تقومُ أصولُ العقيدةِ الإسلاميَّةِ الصَّافيةِ على إفرادِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى بالوَحْدانيَّةِ المُطلَقة؛ لَيسَ فقط في "توحيدِ الرُّبوبيَّةِ" بالإقرارِ بأنَّهُ الخالقُ الرَّازقُ، ولا في "توحيدِ الألوهيَّةِ" بصَرفِ السُّجودِ والرُّكوعِ إليهِ وَحدَه، بل يمتدُّ مِعراجُ التَّوحيدِ لِيَبلُغَ ذِروَتَهُ في "توحيدِ القَصْدِ والإرادَة".
وفي هذا المَقامِ العالي، يُطلِقُ العارفُ باللهِ الإمامُ ابنُ عطاءِ اللهِ السَّكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ) (تاجُ الدِّينِ ومُقنِّنُ التَّصوفِ الشَّاذليِّ) صيحتَهُ العقَديَّةَ التَّحذيريَّةَ الخالدة: "إيَّاكُمْ وأخْذَ الرِّشاءِ علَى العِبادَةِ"⁽¹⁾.
إنَّ حقيقةَ المَزلقِ العقَديِّ هنا -يا ولدي- تكمنُ في تَحوُّلِ العبادةِ من «عَلاقةِ عُبوديَّةٍ مَحضَة» للمَعبودِ بحكمِ استحقاقِهِ للعبادةِ لذاتِهِ، إلى «عَلاقةِ مُعاوَضَةٍ وتِجارَة».
فمَن عَبَدَ اللهَ لِيُعطيَهُ، أو تَنَفَّلَ لِيَكشِفَ عنهُ بَلاءً دُنيويًّا فحسب، فإنَّ مَعبودَهُ في حقيقةِ القَصْدِ لَم يَكُنْ "اللهَ"، بل كانَ "العَطَاءَ"؛ حتَّى إذا ما تحقَّقتِ الصَّفقةُ ونالَ العبدُ مَطلوبَهُ المادِّيَّ، انصرفَ وعادَ إلى ظُلمةِ غَفلتِهِ، مُحقِّقًا في نفسِهِ قولَ الحقِّ تباركَ وتعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾⁽²⁾.
التَّحْذِيرُ العَقَدِيُّ مِنْ مَقَامِ «عَبْدِ الفَرَج»
ومن هُنا، يطرحُ فضيلةُ الدكتور جابر بغدادي تساؤلَهُ العقَديَّ الكاشفَ، مُخاطبًا سَرائرَ النُّفوس: يا عبدي، أينَ صراخُكَ في جَنَباتِ المسجدِ حينَ كُنتَ في المَضيق؟ أفلَمَّا فُرِّجَتْ عنكَ ولَّيتَ؟ الله! إنْ كُنتَ كذلكَ فأنتَ إذًا "عبدُ الفَرَجِ"، ولستَ "عبدَ اللهِ".
وهذا التَّساؤلُ ليسَ مُجرَّدَ استفهامٍ عابرٍ، بل هوَ تَنبيهٌ عقَديٌّ يَستنهضُ «الغيرةَ الإلهيَّةَ» في قلبِ المُوحِّد؛ فاللهُ جلَّ جلالُهُ يغارُ أنْ يكونَ في قلبِ عبدِهِ شريكٌ خَفيٌّ يُحرِّكُهُ نَحو المِحراب.
فالذي يَصرخُ في المسجدِ حالَ الكَربِ، ثُمَّ يَهجرُهُ بعدَ حُلولِ الفَرَجِ، قد كشفَ عن خَلَلٍ في "عقيدةِ الصُّمُودِ والافتقارِ"؛ إذْ جَعلَ افتقارَهُ مَشروطًا بالحاجةِ، بَينما حقيقةُ العُبوديَّةِ أنْ يكونَ الافتقارُ إلى اللهِ وَصْفًا ذاتيًّا مُلازمًا للإنسانِ في الغِنى والفقر، وفي المِنحَةِ والمِحنَة.
ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ مُهِم: المَشْرُوعِيَّةُ فِي الدُّعَاءِ وَنَفْيُ عَقِيدَةِ الجَبْر
وحتى لا يَزِلَّ الفهمُ بقارئنا الكريمِ، أو يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هذا التَّأصيلَ العقَديَّ الرَّصينَ يَنفي مَشروعيَّةَ سُؤالِ اللهِ كَشفَ الضُّرِّ، أو أنَّهُ يَجنحُ إلى «عقيدةِ الجَبْرِ» المَذمومةِ التي تُعطِّلُ الأسبابَ وتَنهى عنِ الدُّعاء؛ فإنَّنا نُقرِّرُ هُنا بأصالةِ المُعتقدِ السُّنِّيِّ الصَّحيحِ: أنَّ اللُّجوءَ إلى اللهِ بالدُّعاءِ عندَ الكُرباتِ هوَ في ذاتِهِ عِبَادَةٌ وتَوحيدٌ، لِقولِهِ ﷺ: «الدُّعاءُ هوَ العِبادَةُ»⁽³⁾؛ لأنَّ فيهِ إظهارًا للعجزِ، واعتقادًا جازمًا بأنَّ اللهَ وَحدَهُ هوَ "كَاشِفُ الضُّرِّ" و"مُسبِّبُ الأسباب".
بَيْدَ أنَّ الميزانَ العقَديَّ الدَّقيقَ الذي يُشيِّدُهُ الدكتور جابر هُنا يُفرِّقُ بَينَ مَقامَيْن:
مَقامُ العَوَام (توحيدُ المسألة): وهو أنْ تَعبُدَهُ لِيَكشِفَ ضُرَّك، وهذا مَشروعٌ ومُثابٌ عليهِ صاحبُه.
مَقامُ الخَوَاص (توحيدُ الشُّهود): وهو أنْ يَكونَ كَشفُ الضُّرِّ سَببًا في زِيادةِ حَيائكَ منَ المُنعمِ، وثَباتِ قَدمِكَ في الطَّاعةِ بعدَ الفَرَجِ أضعافَ ما كُنتَ عليها قَبلَه.فالمَذمومُ عَقَدِيًّا ليسَ "طَلبَ الفَرَجِ"، وإنَّما "التَّولِّي والإعراضُ بعدَ نَيلِ الفَرَجِ"، جَعلَنا اللهُ وإيَّاكُم من أهلِ الوَفاء.
عَقِيدَةُ كَمَالِ العُبُودِيَّةِ فِي النَّمُوذَجِ المُحَمَّدِيّ
ولِكَيْ تَتَّضِحَ صُورةُ التَّوحيدِ الخالصِ من شَوائبِ العِوَضِ، يَتوجَّهُ بنا فضيلتُهُ نَحو المِحرابِ النَّبويِّ الشَّريف؛ حيثُ السيدةُ عائشةُ (ت: ٥٨ هـ) (أفقهُ نساءِ الأمَّةِ وأحبُّ أزواجِ النَّبيِّ إليه)⁽⁴⁾ تُراقبُ هذا المشهدَ العقَديَّ المَهيب: رسولُ اللهِ ﷺ يَقومُ منَ اللَّيلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ وتَتورَّمَ قَدَماهُ الشَّريفتان، فتَسألُهُ بدافعِ الشَّفقةِ البَشريَّةِ: «يا رَسولَ اللَّهِ، أتَصْنَعُ هذا، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟»؛ فَيَأتي الجوابُ النَّبويُّ الذي يَحملُ أعمقَ دَلالاتِ "توحيدِ الأسماءِ والصِّفات": «يا عائِشَةُ، أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»⁽⁵⁾.
تأمَّلْ -يا بُنيَّ- في بُعدِ العقيدةِ هُنا؛ لقدِ انتفتْ عِلَّةُ "الخوفِ منَ النَّارِ" بالمَغفرةِ المُسبَقَة، وانتفتْ عِلَّةُ "طَلبِ الجنَّةِ" بضَمانِ المَقامِ المَحمود؛ فَلِماذا يَستمرُّ الجَسدُ في تَحمُّلِ هذا العَناءِ المُهلِك؟ إنَّهُ التَّجلِّي الأعظمُ لِعقيدةِ «عُبوديَّةِ الشُّكْرِ المطلق»؛ العبادةُ التي تَصدُرُ عن قَلبٍ شَهِدَ كَمالَ المَعبودِ، فاستَحيَى أنْ يَكونَ في الكَونِ نَفَسٌ يَتردَّدُ دونَ ثَناءٍ عليه.
ويُوجِّهُنا الدكتور جابر أنْ نَأخذَ هذا الشِّعارَ النَّبويَّ البليغَ (أفلا أكونُ عبدًا شكورًا)، فَنَجعَلَهُ مِرآةً عَقَديَّةً صَقيلةً نَعكِسُ عليها نَوايانا في سائرِ حَركاتِنا وسَكَناتِنا خِلالَ أيَّامِنا المُقبلة.
مِرآةُ التَّوحِيدِ اليَومِيَّةِ فِي زَوَايَا المَادِّيَّات
إنَّ العقيدةَ -يا ولدي- ليستْ مَتُونًا تُحفَظُ في الصُّدورِ وتُعزَلُ عنِ الوَاقع، بل هيَ "توحيدُ أفعالٍ" يُترجَمُ في زَوايا البُيوت.
فإذا ما وَقفتَ أمامَ خِزانةِ ثيابِكَ، فاكتُبْ عليها بمدادِ اليَقينِ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟"، وإذا ما فتحتَ بابَ ثَلَّاجَةِ طعامِكَ ورأيتَ رِزقَ اللهِ مَبسوطًا، فاستحضرْ في سِرِّكَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟"، وإذا ما طالعتَ خِزانةَ شَهاداتِكَ العِلميَّةِ ومَراتبِكَ الدُّنيويَّةِ، فاهتِفْ بروحِكَ: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟".
إنَّ هذا التَّمرينَ الرُّوحانيَّ هوَ في صَميمِ العقيدة؛ لأنَّهُ يُجرِّدُ النَّفسَ من "عقيدةِ قارون" الفاسدةِ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، ويَرُدُّ الفَضلَ، والحَوْلَ، والقُوَّةَ، والمُلكَ إلى المُنعِمِ الأوَّلِ سبحانَه.
عَقِيدَةُ الغِنَى المَحَمَّدِيِّ بَيْنَ مَفَاتِيحِ الأَرْضِ وَرَهْنِ الدِّرْع
ويَختِمُ الدكتور جابر هذا التَّطوافَ العقَديَّ بمُفارَقةٍ تَأخُذُ بمَجامعِ القُلوبِ، كاشفًا عن حقيقةِ اتِّصافِ النَّبيِّ ﷺ بعقيدةِ الافتقارِ إلى "الغَنيِّ" المطلق.
فهذا النَّبيُّ الذي يَقولُ: «أفلا أكونُ عبدًا شكورًا»، هوَ الذي أُسلِمَتْ رُوحُهُ الطَّاهرةُ إلى باريها، ودِرعُهُ مَرهونةٌ عندَ يَهوديٍّ في رَغيفاتٍ من شَعيرٍ لِأهلِ بيتِه⁽⁶⁾! وهوَ في ذاتِ اللَّحظةِ الذي يَقولُ عن نفسِهِ بعقيدةِ اليَقينِ: «أُوتِيتُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الأرْضِ»⁽⁷⁾؛ فكانَ يَملكُ الدُّنيا بأسرِها، ويَقبِضُ على نَواصيها، ومعَ ذلكَ يَختارُ الفقرَ المادِّيَّ زُهدًا وتَجريدًا!
هذا النَّبيُّ الشَّكورُ هوَ عينُهُ الذي كانَ يَقفُ يُصلِّي، والحجرُ مَعصوبٌ مَربوطٌ على بَطنِهِ الشَّريفةِ⁽⁸⁾ لِيَكبحَ أَلَمَ المَخْمَصَةِ والجوع، وهوَ عينُهُ الذي يَطرُقُ بابَهُ الضَّيفُ، فَيُرسلُ إلى حُجُراتِ أزواجِهِ كُلِّهِنَّ يَلتمسُ طعامًا، فلا يَجدُ في بُيوتِ آلِ محمَّدٍ قَاطِبَةً إلَّا الماءَ⁽⁹⁾!
لماذا أجرى اللهُ على حبيبِهِ هذا القَدَرَ المَظهريَّ القاسيَ وهوَ أحبُّ الخَلقِ إليه؟ لِيُقرِّرَ للأمَّةِ عقيدةً أبديَّةً: أنَّ عَطاءَ الدُّنيا لَيسَ دَليلَ الرِّضا، وأنَّ مَنعَ الدُّنيا لَيسَ دَليلَ السَّخَط.فَلَو كانتِ المادَّةُ مِيارًا للمَقامِ عندَ اللهِ، لَكانَ كِسرى وقَيصرُ أقربَ إليهِ من محمَّدٍ ﷺ! ولكنَّ الغِنى الحقيقيَّ في عُرفِ العقيدةِ هوَ «غِنى النَّفسِ بالله»، فتأدَّبوا -يا أولادي- معَ النِّعمِ، واشْكُروا المُنعِمَ لِذاتِهِ، حتَّى لا تَزول.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (تأدبوا مع النعم حتى لا تزول.. حقيقة العبودية بين «عبد الفرج» ومقام «العبد الشكور»)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»)الشريعة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه العبادات وأسرار النيات.. تأصيل شرعي في تحذير الدكتور جابر بغدادي من «أخذ الرشاء على العبادة»)الشريعة
- يمكنك التعرف على منهج التزكية والسلوك في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أدب السلوك إلى ملك الملوك.. مقامات التزكية بين مَزلق «عبد الفرج» ومحراب «العبد الشكور»)التزكية والتصوف
وقت القراءة 6 دقائق
