Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة
مقالات إسلامية

معالم العقيدة الصافية في أسرار التوبة والمحبة والمشاهدة: قراءة عقدية في فكر الدكتور جابر بغدادي

مقال تفصيلي يستنبط درر العقيدة الإسلامية الصافية من توجيهات الدكتور جابر بغدادي، يسلط الضوء على عقيدة أهل السنة في الرد والالتجاء إلى الجناب النبوي، ومفهوم التوفيق الإلهي في التوبة والرد على الجبرية، مع بيان عقيدة تفاعل الكون والمحبة كطريق للنجاة.

إن الناظر بعين البصيرة في توجيهات العارفين، يدرك يقيناً أن كل لفظة تخرج من مشكاتهم إنما هي تقرير لعقيدة راسخة وتأصيل لإيمان نقي. وفي هذا السياق، نستلهم من فيوضات وتوجيهات الدكتور جابر بغدادي معالم العقيدة الصافية التي ترسي قواعد السلوك على أساس متين من التوحيد الخالص والفهم الصحيح لمقام النبوة المحمدية. تبدأ معالم هذه العقيدة بتقرير أصل أصيل، وهو مكانة حضرة النبي في سلم الوجود ومقام الوسيلة العظمى. فإذا ادلهمت الخطوب، وكثرت الذنوب، وتوالت الكروب؛ فإن عقيدة المؤمن توقن بأن الله قد جعل باب رحمته الأوحد هو هذا النبي الكريم. وعليه، فإن قولنا: "كل مصائبنا وكروبنا وذنوبنا ومعاصينا في الدنيا والآخرة ما لها إلا رسول الله"، هو تقرير لعقيدة (التوسل المشروع والشفاعة الكبرى). فالنبي هو النور الذي تُستمد منه الرحمات الإلهية، وهذا مصداق صريح للقرآن الكريم ﴿سورة الأحزاب: ٤٣﴾ ⁽¹⁾ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. فدواء القلوب المذنبة وعلاجها العقدي هو اللياذ بالصلاة على الحبيب ، كما جاء في (جامع الترمذي) ⁽²⁾ للإمام الحافظ أبي عيسى الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ) حين بشّر من يجعل همه الصلاة عليه بقوله: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ». ثم ننتقل إلى ركن ركين في عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو (عقيدة التوفيق ومصدر الأفعال)، والذي يتجلى بوضوح في سر "التوبة". إن العبد الموفق متى أحدث توبةً، وجب عليه عقدياً ألا ينسب الفضل إلى نفسه أو عزيمته وقوته، بل ينسبه إلى فضل الله ومشيئته. فحين يتوب العبد وتتعافى روحه، يجب أن يلهج لسانه بعقيدة التوحيد قائلاً: "لي رب تاب عليّ، ونظر إليّ بعين الرحمة"، ولا يقول: "أنا صاحب عزيمة قوية". لأن إرجاع الفضل للنفس هو من بذور الشرك الخفي ونقض لعهد التواب الذي قال في (سورة التوبة: ١١٨) ⁽³⁾: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾. وحذارِ يا ولدي –وهنا نضع التدبير الاحترازي العقدي– أن تفهم من هذا التوجيه تسويغاً لـ "العقيدة الجبرية" الباطلة، التي تسلب العبد إرادته وتزعم أنه مسير كالميت بين يدي الغاسل لا اختيار له في طاعة أو معصية! معاذ الله أن يكون هذا مرادنا. فمذهب أهل الحق يقر بأن للعبد "كسباً" وإرادة يُحاسب عليها، وعليه أن يسعى ويجاهد نفسه ويطرق باب التوبة، ولكن متى ما فُتح له الباب وتمت التوبة، وجب عليه أن يشهد "التوفيق الإلهي" وألا يغتر بكسبه. فالعبد يفعل السبب، والله هو خالق النتيجة. وهذا هو الأدب العقدي مع اسم الله "التواب"؛ أن ترى الجهد منك بتوفيق الله، والقبول منه بفضل الله، فتشكر المنعم وتأمن من مكر العودة للذنب. ومن المعاني العقدية الجليلة التي تثبتها هذه الإشارات، (عقيدة النجاة بالمحبة). فالمحبة في المنظور العقدي الإسلامي ليست مجرد عاطفة مجردة، بل هي "عمل قلبي" له ثقل عظيم في ميزان الأعمال، قد يرجح بكفة العبد إذا قصرت به جوارحه. ولهذا عندما سأل الأعرابي عن الساعة، كما في (صحيح البخاري) ⁽⁴⁾ لأمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري (ت: ٢٥٦ هـ)، أرسى النبي هذه العقيدة بقوله: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». هذه المعية ليست معية مكانية مجردة، بل هي اصطفاء عقدي، يُدخل المحبين في زمرة الأنبياء والصديقين، مصداقاً لقوله تعالى في (سورة النساء: ٦٩) ⁽⁵⁾: ﴿فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾. ولعل من أعمق ما يتم استنباطه هنا، هو (عقيدة حياة الجمادات وتفاعلها مع مقام النبوة). إن الرؤية العقدية القاصرة والمادية تحصر الإدراك في الإنسان والحيوان، لكن عقيدة أهل الغيب تؤمن إيماناً يقينياً بأن الكون كله ينبض بالحياة، يسبح بحمد ربه، ويحب رسوله . هذا ليس مجازاً أدبياً، بل حقيقة عقدية صلبة نطق بها المعصوم كما في (صحيح مسلم) ⁽⁶⁾ للإمام الحافظ مسلم بن الحجاج (ت: ٢٦١ هـ) مشيراً إلى جبل أحد: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». جبل من تراب وحصى يمتلك وعياً عقدياً ومحبة لرسول الله! وكذلك حنين الجذع الذي فارقه النبي في (صحيح البخاري) ⁽⁷⁾، فبكى وأنينه كأنين الصبي، حتى نزل النبي فضمه وطيبه. هذه الوقائع تثبت في عقيدتنا أن النبوة المحمدية سر سارٍ في ذرات الوجود كله. وأخيراً، تتجلى (عقيدة المشيئة في الذكر والغفلة). إن انتقال العبد من الغفلة إلى مجالس الذكر ليس مجرد قرار بشري بحت، بل هو –في ميزان العقيدة– "منحة واصطفاء رباني". فالذكر موجبة لتجلي الله، ومتى شاء الله أن يرحم عبده أجرى على لسانه ذكره. وعلى النقيض، فإن الغفلة ليست مجرد كسل، بل هي "عقوبة وعزل عقدي"، كما يوضح القرآن في (سورة الكهف: ٢٨) ⁽⁸⁾: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾؛ فنسب الإغفال إلى مشيئته عقوبةً للعبد على جحوده. فالذاكر ينطق بفضل الله وإذنه، مصداقاً لقوله جل شأنه في (سورة المدثر: ٥٥-٥٦) ⁽⁹⁾: ﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وهذه عقيدة تورث المريد غاية التواضع والخضوع، فلا يغتر بصلاته ولا بصيامه ولا بذكره، بل يوقن أن "لا إله إلا الله" هي التخلي عن الحول والقوة، والتحلي بأنوار المختار، والتعرض لتجليات الواحد القهار.