أسرار التزكية ومقام اليقين في تبديد وهم التعطيل: رحلة السالك من غفلة النفس إلى أنوار المشاهدة
في خلوة اليقين: تشخيص داء الغفلة ووهم التعطيل
يا ولدي، إذا عصفت بك رياح الابتلاء، وتراءى لعين طبعك أن قوماً يريدون عزلك عن مقامك، أو يبتغون التفريق بينك وبين أهلك، أو يسعون للتعدي عليك؛ فلا تدع لجيوش الخوف سبيلاً إلى قلبك، ولا تجعل للوهم سلطاناً على يقينك.
هل اجتمعوا وأحكموا كيدهم؟ إذن، قد حان وقت اختبار سريرتك في مقام التوكل، فالتصوف السني يا ولدي ليس إلا التحقق بـ "مقام الإحسان" الذي أخبر عنه المعصوم في حديث جبريل عليه السلام بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»⁽¹⁾.
حُط هذا الدستور الإلهي نصب عينيك، واجعله وِرداً لقلبك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽²⁾.
أتظنون يا أحبتي أن الخالق العظيم، قيوم السماوات والأرض، قد أسلم عباده لعباده؟ أو أنه ترك مملكته لتصاريف الخلق ومكائدهم؟ حاشا لله! قد يبلغ بهم الجهل مبلغه فيظنون أنهم قادرون على قتلك، ولكن عين الحقيقة التي تشهد لها الشريعة تنطق بلسان القدرة: نحن من أعطيناك سر الحياة، وما من مخلوق على وجه الأرض يملك أن ينزعها غيري.
وأنا الذي أفضت عليك من خزائن الرزق، فلا يملك أحد أن يعطل رزقاً ساقه الرزاق إليك.
يأتي أحدهم شاكياً بلسان النفس الأمارة بالسوء، التي ركنت إلى الأسباب ونسيت رب الأرباب، قائلاً: "لقد صنعوا لي سحر تعطيل"! يا ولدي، من هؤلاء الذين تزعم أنهم يعطلون تدبير الله؟ إن هذا الوهم الذي تسميه تعطيلاً ما هو إلا تجلٍّ قاصر لمعنى الإثبات في الآية الكريمة، ولكنه في ميزان أهل الله أوهى من حفنة تراب تذروها الرياح.
ومما يُدمي القلب، ويدل على استفحال أمراض القلوب في زماننا، أن فضاءات التواصل الاجتماعي قد امتلأت بغثاء هذا الدجل ومثل هذه التخاريف، حتى إن الناس وثقت فيها ولجأت إليها، لدرجة أنهم نسوا أن للكون رباً يدبر الأمر! نسينا اليقين بالله.
إياك يا ولدي أن أسمع مسلماً سالكاً طريق النجاة يردد بعد اليوم: "عاملين لي سحر تعطيل".
فضاء المشاهدة: ترويض القلب النبوي على شهود العناية
ولكي يترقى السالك من نفس أمارة مضطربة إلى نفس مطمئنة ساكنة، لابد له من الاقتداء بسيد السالكين ﷺ.
فحينما خاطب الحق سبحانه نبيه المصطفى بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كان يُرسي في قلبه الشريف معالم الطريق، مبيناً له أنه مأمور بالهجرة كمن سبقه من الأنبياء.
فذكره بمكر القوم بروح الله سيدنا عيسى عليه السلام، حين اجتمعوا وعقدوا ندوة كيدهم ليتخلصوا منه، فجاء المدد الإلهي القاطع: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾⁽³⁾.
تأمل يا ولدي كيف يصف الحق هذا المشهد: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾⁽⁴⁾.
مكروا ليقتلوا عيسى، ومكر الله لينجيه؛ مكروا ليثبتوه، ومكر الله ليرفعه.
وفي هذا القصص القرآني ترويض وتدريب للقلب النبوي بالمشاهدة، وإدراك أزلية الأولية في مسيرة الأنبياء.
فتعزى رسول الله ﷺ بما حدث في روح الله عيسى، واستقر في وجدانه أنه لا يستطيع أحد من العالمين أن يمس عبداً في كنف الله.
فلما جاء المضارع في قوله ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ ليدل على استمرار كيدهم، عاد قلب المصطفى ﷺ مطمئناً إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، فعلم يقيناً أن الله لا يخذل عبداً التجأ إليه.
واعلم يا ولدي يقيناً أن للكون مكوّناً، وللمملكة ملكاً، وللحياة حياً، ولقيامها قيوماً، وللرزق رزاقاً؛ ولا يستطيع إنسان كائناً من كان أن يعطل ما فعله الله، أو يفعل ما عطله الله.
المجاهدة العملية: التوازن بين الشريعة والحقيقة في الأوراد
إن التصوف السني المعتمد ليس ادعاءً أجوفاً أو إسقاطاً للتكاليف، بل إن القاعدة الذهبية التي سار عليها القوم، كما قررها سيدي الإمام الجنيد البغدادي (المتوفى سنة 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين)، هي: "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة".
فإذا ضاقت بك السبل، فافزع إلى العبادة الظاهرة لتنال التزكية الباطنة، وقم بين يدي مولاك مصلياً ركعتين خالصتين لله، محققاً مقام الافتقار.
يُوجهنا الشيخ المربي هنا إلى سر من أسرار المجاهدة العملية:
اقرأ في الركعة الأولى قوله تعالى الذي يرسخ عقيدة الملك المطلق: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾⁽⁵⁾.
وصلِّ في الركعة الثانية بقراءة الآية التي تنسف مكر البشر: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽²⁾.
ثم بعد ذلك، ارفع يديك بقلب منكسر محب، متوسلاً إلى الله بأعظم أبواب القبول، وقل: "اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتنجينا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات"⁽⁶⁾.
وهنا لابد من وقفة علمية واثقة لدفع شبهات المتنطعين والجافين الذين يرمون أهل الله بالبدعة إذا ما رتبوا أورادهم.
إن هذا الدعاء بصيغة "الصلاة المنجية" ليس خروجاً عن الشريعة، بل هو عين التوسل المشروع بالعمل الصالح القاطع بالقبول (وهو الصلاة على النبي ﷺ)، لسؤال الله تفريج الكروب.
فالذكر والدعاء باب واسع، وما دام المعنى يوافق أصول التوحيد، فهو مندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.
فحين تلجأ إلى الله بهذا السر النبوي، وتطهر قلبك من لوثة التعلق بالمخلوقين، أبشر يا ولدي، فسينفك عقد كل تعطيل، إن كان له في الأصل وجود حقيقي!
الشيخ جابر بغدادي
