Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

مقامات الرضا والتسليم: أسرار التزكية في اقتران الضار النافع والتحصن بمعية المُسَبِّب

في هذا المقال السلوكي العميق المستلهم من توجيهات الدكتور جابر بغدادي، نغوص يا ولدي في أسرار التزكية ومقامات الرضا، لنكشف كيف يتطهر القلب من داء الغفلة والتعلق بالأسباب باللجوء إلى معية الله، مع تأصيل متين لمنهج التصوف السني المعتدل والجمع المحكم بين الشريعة والحقيقة.

كمال الأدب مع الله: بوابة العبور من الغفلة إلى اليقين اعلم يا ولدي، نور الله قلبك بنور المعرفة، أن طريق التزكية والسلوك إلى الله يبدأ بخطوة جليلة تُسمى 'كمال الأدب'.
ومن أسرار هذا الأدب مع أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى، ألا يذكر السالك اسم الله 'الضار' منفرداً قط، بل لا بد وأن يلحق به اسمه 'النافع'، كأن 'النافع' نعتٌ ملازمٌ لـ 'الضار'.
ولعلك تسألني بقلب المشتاق: ولِمَ هذا التشديد في اللفظ يا سيدي؟ فأجيبك بأن النفس الإنسانية بطبعها تميل إلى الخوف والهلع، وتُصاب بداء 'الغفلة' عن حكمة الخالق.
فإذا أفردت الضُر، انقبض القلب وساء الظن، ولكن حين تقرن الجلال بالجمال، تدرك أن هذا الكون العظيم له ربٌ حكيم، وأن هذه المملكة لها مديرٌ بصيرٌ يديرها.
هذا الإدراك هو أولى خطوات علاج القلب من 'الوهم'؛ لتنتقل من رؤية قسوة الابتلاء الظاهر، إلى شهود لطف المُسَبِّب الباطن.
الشريعة والحقيقة: جناحان لطائر السلوك المستقيم وهنا يا ولدي، أقف بك عند أصلٍ أصيل من أصول منهجنا في التصوف السني المعتمد، وهو التلازم الحتمي بين الظاهر والباطن.
إياك ثم إياك أن تظن أن شهودك لـ 'النافع' في طيات 'الضار' يسقط عنك الأخذ بالأسباب أو يحثك على ترك التداوي وتجاهل التكاليف الشرعية.
فالقاعدة الذهبية التي أرسى دعائمها سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) تنص بوضوح: 'كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة' ⁽¹⁾.
إن التصوف الحق ليس تخلطاً ولا تركاً للعمل، بل هو عين 'مقام الإحسان' الذي أخبر عنه الحبيب المصطفى حين قال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ⁽²⁾.
فالمتطهر من أمراض العُجب والكبر يذهب إلى الطبيب ببدنه (امتثالاً للشريعة)، ولكنه يعتمد بقلبه على الشافي (شهوداً للحقيقة).
ومن رُمي التصوف السني بالبدعة فقد جفا؛ لأن ساداتنا الصوفية هم أحرص الناس على إحياء روح العبادات المفروضة وتعميق التقوى في القلوب الخاشعة.
التحرر من رق الأسباب: النجاة من داء الشرك الخفي وضَعْ نُصْبَ عينيك يا ولدي، وتأمل معي في سر قوله تعالى حين يعالج فينا داء الخوف من المخلوقين: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ⁽³⁾.
قف عند الهاء في قوله 'بِه'؛ إنها تعود على السحر المذكور في قوله جل شأنه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ⁽⁴⁾.
لقد كان هؤلاء السحرة حاذقين في الكفر، متمكنين في فنون الأذى، ولكن الله يربي 'النفس الأمارة بالسوء' التي ترتعد من كيد البشر، ليرتقي بها إلى 'النفس المطمئنة' التي لا ترى فاعلاً في الوجود إلا الله.
إن السحر، أو أي كيد دنيوي، وإن سار وجرى في مقدرات حياتك، فهو في ميزان العارفين مجرد 'فعل السبب للسبب'.
أما أنت يا ولدي، فإذا لزمت مجالس الذكر، وصحبت أهل الله الصالحين، وتحصنت بحبهم والدعاء الجماعي الذي تتنزل فيه السكينة، فإنك تنتقل لتكون في معية 'المُسَبِّب'.
حينها، يُحكم عليك بمانع قول الله ونافع قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ⁽⁵⁾.
فهل رأيت حصناً أمنع من ولاية الله وصدق اللجوء إليه؟ الابتلاء ومراقي الرضا: الدواء الرباني لأمراض القلوب ولنختم رحلتنا في هذا المعنى العظيم بالتأكيد على سر الاقتران بين الاسمين الجليلين.
إن الله سبحانه وتعالى لا يضر أحداً ليعتدي عليه، حاشاه جل في علاه، إنما يبتلي ليرقي.
قد يأذن الله لسبب ما أن يضرك، فيُسلط على الجسد فيروساً أو داءً، ليقمع فيك داء 'الكبر' أو 'حب الظهور'، فيكسر كبرياء النفس، ويذيب قسوة القلب.
هذا العارض المسمى بالمرض، يأخذ بيدك يا ولدي، فيسوقك طوعاً إلى محراب التضرع والبكاء بين يدي الله.
إنها 'المجاهدة' الإلهية التي ترتقي بك في مراقي 'الرضا'، حتى تبلغ الدرجات العلى التي أعدها الله لأهل التسليم، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ⁽⁶⁾.
فاجعل قلبك دائماً في خلوة مع النافع، مستنيراً بذكره، مطمئناً لمراده، موقناً أن بعد كل محنة منحة تُشرق في سماء المتقين.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5