أسرار مقام اليقين في مواجهة وهم التعطيل: رحلة السالك من غفلة النفس إلى طمأنينة التوكل
في خلوة اليقين: التبرؤ من الحول والقوة
يا ولدي، إذا عصفت بك رياح الابتلاء، ورأيت أن أهل الدنيا قد تآمروا ليعزلوك عن مقامك، أو يبتغون التفريق بينك وبين أهلك، أو يسعون للعدوان عليك؛ فلا تدع لجيوش الخوف سبيلاً إلى قلبك، ولا تجعل للوهم سلطاناً على يقينك.
هل اجتمعوا وأحكموا كيدهم؟ إذن، قد حان وقت اختبار سريرتك في مقام التوكل.
حُط هذا القانون الإلهي، والدستور الرباني نصب عينيك، واجعله وِرداً لقلبك: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
يا بني، أتظنون أن الخالق العظيم، قيوم السماوات والأرض، قد أسلم عباده لعباده؟ أو أنه ترك مملكته لتصاريف الخلق ومكائدهم؟ حاشا لله! هذا ظن من تاهت بصيرته في أودية الغفلة.
قد يبلغ بهم الجهل مبلغه فيظنون أنهم قادرون على قتلك وسلب حياتك، ولكن عين الحقيقة التي تشهد لها الشريعة تنطق بلسان القدرة: نحن من أعطيناك سر الحياة، وما من مخلوق على وجه الأرض يملك أن ينزعها غيري.
وأنا الذي أفضت عليك من خزائن الرزق، فلا يملك أحد أن يعطل رزقاً ساقه الرزاق إليك.
فإذا أطلقهم الحق وردهم إلى فعل ذلك ليمكروا بك ظاهراً، فاعلم يقيناً أنه سلكهم في مراد إرادته، وسيحيط بهم بلطفه الخفي، فيجعل من مكرهم ذاته نجاةً لك.وتلك هي ثمرة اليقين بأن ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
تشخيص داء الغفلة: وهم التعطيل وسقوط اليقين
يأتي أحدهم شاكياً بلسان النفس الأمارة بالسوء التي ركنت إلى الأسباب ونسيت رب الأرباب، قائلاً: "لقد صنعوا لي سحر تعطيل"! يا ولدي، من هؤلاء الذين تزعم أنهم يعطلون تدبير الله؟ إن هذا الوهم الذي تسميه "تعطيلاً" ما هو إلا تجلٍّ قاصر لمعنى الإثبات في الآية الكريمة، ولكنه في ميزان أهل الله أوهى من حفنة تراب تذروها الرياح.
ومما يُدمي القلب، ويدل على استفحال أمراض القلوب في زماننا، أن فضاءات التواصل الاجتماعي قد امتلأت بغثاء هذا الدجل ومثل هذه التخاريف، حتى إن العوام قد وثقوا فيها، ولجأوا إليها، وعقدوا عليها آمالهم.
لقد بلغ داء الغفلة مبلغه لدرجة أن الناس نسيت أن للكون رباً يدبر الأمر! نسينا اليقين المطلق بالله جل جلاله.
يا إخواننا، إياك أن أسمع مسلماً سالكاً طريق النجاة يردد بعد اليوم بجهل: "عاملين لي سحر تعطيل".
من هؤلاء الضعفاء حتى يعطلوا إرادة الحي القيوم؟ إن الاعتقاد بنفوذ ضرهم استقلالاً هو شرك خفي يقدح في التوحيد، وعلاجه لا يكون إلا بالرجوع إلى شهود طلاقة القدرة الإلهية، مصداقاً لما وجهنا إليه الحبيب ﷺ في وصيته الجامعة: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك»⁽²⁾.
فضاء المشاهدة: ترويض القلب النبوي على شهود العناية
ولكي يترقى السالك في مقامات السلوك، لابد له من الاقتداء بسيد السالكين ﷺ.
فحينما خاطب الحق سبحانه نبيه المصطفى بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كان يُرسي في قلبه الشريف معالم الطريق، مبيناً له أنه مأمور بالهجرة كمن سبقه من الأنبياء.
فذكره بمكر القوم بروح الله سيدنا عيسى عليه السلام، حين اجتمعوا وعقدوا ندوتهم ليتخلصوا منه، فجاء المدد الإلهي القاطع: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾⁽³⁾.
تأمل يا ولدي كيف يصف الحق هذا المشهد: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾⁽⁴⁾.
مكروا ليقتلوا عيسى، ومكر الله لينجيه؛ مكروا ليثبتوه، ومكر الله ليرفعه.
وفي هذا القصص القرآني ترويض وتدريب للقلب النبوي على المشاهدة، وإدراك أزلية الأولية في حياة الأنبياء.
فتعزى رسول الله ﷺ بما حدث لأخيه عيسى، واستقر في وجدانه أنه لا يستطيع أحد من العالمين أن يمس بسوء عبداً أوى إلى كنف الله وحماه.
فلما قال له: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ﴾، جاء بالمضارع ليدل على استمرار كيدهم، ولكن عاد قلب المصطفى ﷺ مطمئناً إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، فعلم يقيناً أن الله لا يخذل عبداً التجأ إليه.
فاعلم يقيناً أن للكون مكوّناً، وللمملكة ملكاً، وللحياة حياً، ولقيامها قيوماً، وللرزق رزاقاً؛ ولا يستطيع إنسان أن يعطل ما فعله الله، أو يفعل ما عطله الله.
المجاهدة العملية: التوسل الشرعي بالصلاة المنجية
يا ولدي، إن التصوف السني المعتمد ليس مجرد مشاعر قلبية خالية من العمل، بل إن "كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة بالصحة فهي زندقة"، كما قرر سيدي الإمام الجنيد البغدادي (ت: 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين).
فإذا ضاقت بك السبل، فافزع إلى العبادة الظاهرة لتنال التزكية الباطنة.
قم بين يدي مولاك، وصلِّ ركعتين خالصتين لله، محققاً مقام الافتقار.
اقرأ في الركعة الأولى قوله تعالى الذي يرسخ عقيدة الملك المطلق: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾⁽⁵⁾.
وصلِّ في الركعة الثانية بقراءة الآية التي تنسف مكر البشر: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
ثم بعد ذلك، ارفع يديك بقلب منكسر محب، وقل: "اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتنجينا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات"⁽⁶⁾.
وهنا لابد من وقفة علمية لدفع شبهات المتنطعين الذين ينكرون على أهل الله أورادهم.
إن هذا الدعاء بصيغة "الصلاة المنجية" ليس خروجاً عن الشريعة، بل هو عين التوسل المشروع بالعمل الصالح القاطع بالقبول (وهو الصلاة على النبي ﷺ)، لسؤال الله تفريج الكروب.
وهو تطبيق عملي لمقام المحبة الذي أُمرنا به.فحين تلجأ إلى الله بهذا السر النبوي، أبشر يا ولدي، فسينفك عقد كل تعطيل، إن كان له في الأصل وجود.
الشيخ جابر بغدادي
