Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

فقه القلوب في اسم الله الحي | أحكام الكسب وتدبير الرزق ومشروعية الذكر

يستنبط الدكتور جابر بغدادي الأحكام الفقهية الباطنة والظاهرة لاسم الله "الحي"، مؤصلاً لمشروعية الذكر الجماعي، ومحرراً أحكام الكسب وتدبير الرزق اليومي بما ينفي التواكل المذموم ويقرر وجوب السعي بالجوارح مع تفويض القلب لرب الأرباب.

فقهُ العبورِ الزمنيِّ..من أحكامِ الظاهرِ إلى فقهِ الباطن
إذا كانَ فقهُ الفروعِ يا ولدي يُعنى بضبطِ حركاتِ الجوارحِ في الصلاةِ والصيامِ والبيوع، فإنَّ هناكَ فقهاً أعمقَ وأدقَّ سمَّاهُ سلفنا الصالحُ "فقهَ القلوب" أو "الفقهَ الأكبر"، وهو الفقهُ الذي يحكمُ تصرفاتِ العبدِ الباطنةَ مع مولاه.
وحينَ نخرجُ من سنةٍ إلى سنةٍ ونحنُ نبتدئُ حياةً جديدةً ومعنىً جديداً، فإنَّ الحكمَ الفقهيَّ المترتبَ على هذا العبورِ ليسَ مجردَ تأريخٍ على الورق، بل هو "وجوبُ الهجرةِ التعبدية"؛ أنْ نهاجرَ من ماضي الغفلةِ إلى حاضرِ المراقبة.
فتأدَّبوا يا ولدي مع اسمِ اللهِ "الحيِّ"؛ فإنَّ الشريعةَ تقررُ أنَّ اللهَ -بذلكَ الاسمِ- قد منحكم فرصةً جديدةً للحياةِ بكره.
وهنا يطرحُ الشيخُ تساؤلاً فقهياً استدراكياً يقطعُ حجةَ المفرّطين: سيقولُ الإنسانُ يعني إيه؟ ويطلبُ من ربهِ الرجعةَ قائلاً: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (سورة المؤمنون)⁽¹⁾؛ لعلّي أستشرفُ حياةَ اسمِ اللهِ الحيِّ وأعيشُ معاكَ بيها، لعلّي أستدركُ ما فاتني من فرائضَ وأحكام! فيردُّ عليهمُ الحقُّ بقانونِ القضاءِ المبرم: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (سورة المؤمنون)⁽¹⁾؛ ما احنا جربناك، ده ما أعطيناكش فرصةً واحدة، أنتَ ٦٠ سنة عايش، حولتَ السنينَ البسيطةَ لكبيسةٍ بأفعالك، وبعدين متَّ وأنتَ عايش، ماتَ قلبك عن الخشوع وماتَ لسانك عن الذكر، وعمال تموت لحظة ورا الثانية، حتى أصبحتَ في حكمِ الفقهِ الباطن: "قبراً يعيشُ في قبر".
مشروعيةُ الذكرِ وحكمُ الخروجِ من ميادينِ الغفلة
وينتقلُ بنا التوجيهُ إلى تأصيلٍ فقهيٍّ رصينٍ لمسألةِ (الذكر)، مستنداً إلى الميزانِ النبويِّ الشريف: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» (صحيح البخاري)⁽²⁾.
وما هو الذكرُ في الاصطلاحِ الفقهيِّ والسلوكيّ؟ يقررُ الشيخُ -مقتفياً أثرَ الإمامِ أبي القاسمِ القشيريِّ (ت: ٤٦٥ هـ) (ركنُ المذهبِ والطريقة)⁽³⁾- أنهُ: "الخروجُ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة".
وهذا النصُّ يقررُ حكماً شرعياً جلياً في مشروعيةِ مجالسِ الذكرِ والمواظبةِ عليها؛ إذ كيفَ يخرجُ العبدُ من ميدانِ الغفلةِ المنكرِ شرعاً، إلا بسلوكِ طريقِ الذكرِ المندوبِ إليهِ كتاباً وسنة؟ فمن زعمَ أنَّ التجمعَ على ذكرِ اللهِ بدعةٌ، فقد خالفَ صريحَ هذا الميزانِ النبويِّ الذي جعلَ الذكرَ علامةَ الحياةِ الفقهيةِ للروح، وتركهُ علامةَ الموتِ والجنازةِ المعنوية.
فتأدَّبوا مع الحياةِ؛ فإنَّ الحياةَ منحةُ اسمِ اللهِ الحيِّ.
فقهُ الكسبِ اليوميِّ..وتحريرُ ميزانِ الكفاف
ثم يغوصُ الشيخُ في تحريرِ (فقهِ المعاملاتِ والكسب)، مستلهماً الحديثَ العظيم: «مَنْ بَاتَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ...مَالِكًا قُوتَ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (سنن الترمذي)⁽⁴⁾.
تأمَّلْ يا ولدي الدقةَ الفقهيةَ في استنباطِ الشيخ: وأهو الحمدُ للهِ لا عايز جهاز سكر ولا ضغط، وحتى لو كده أنا برضه معافى في بدني إنه ما بيغلطش؛ لأنَّ خلايا الجسدِ تؤدِّي تسبحتها الفطريةَ ولا تعصي أمرَ خالقها.
ثم يقفُ الشيخُ عندَ الشاهدِ الفقهيِّ الصارم: "مالكاً قوتَ يومه..لم يقل يدخر للعام القادم ؟ فقد حيزتْ لهُ الدنيا بحذافيرها".
إنَّ الشريعةَ لم تفرضْ على المسلمِ أن يضمنَ مخزوناً مالياً لعامٍ قادم، بل جعلتْ (حدَّ الكفافِ اليوميِّ) هو المعيارَ الفقهيَّ لتمامِ النعمةِ المادية.
تحذيرٌ فقهيٌّ صارم: التفرقةُ بينَ التوكلِ القلبيِّ والسعيِ البدنيّ
وهنا يا ولدي، نصلُ إلى المنعطفِ الفقهيِّ الدقيقِ الذي يحتاجُ منَّا إلى تدبيرٍ احترازيٍّ صارم؛ حتى لا يظنَّ الجاهلُ أنَّ كلامَ الشيخِ يدعو إلى (التواكلِ وتركِ التكسب).
يقولُ الشيخُ في عبارتهِ البليغة: " أنتَ لست مسؤول عن غدا، الذي أحياكَ قائمٌ عليه، فلا تقتلوا أنفسكم بضيقِ اليقينِ ووهنِ الدين، والإنسانُ يقتلُ نفسهُ بسكينِ التفكيرِ في الغد".
احذرْ يا ولدي! إياكَ أن تفهمَ من قولهِ (أنتَ لست مسؤول عن غدا) إسقاطاً لـ "حكمِ وجوبِ السعيِ والكسب" المقرَّرِ في فقهِ الشريعة! إنَّ الفقهَ الإسلاميَّ المعتمدَ عندَ الأئمةِ، وفي طليعتهم الإمامُ المحققُ ابنُ عابدينَ الحنفيُّ (ت: ١٢٥٢ هـ) (خاتمةُ المحققين)⁽⁶⁾، يفرّقُ بوضوحٍ بينَ أمرين:
حكمُ الجوارح (الظاهر): وهو الوجوبُ الفقهيُّ لطلبِ الرزقِ، والضربِ في الأرضِ، واتخاذِ الأسبابِ المباحةِ لإعالةِ النفسِ .
فمن قعدَ عن العملِ مدَّعياً التوكلَ، فهو في الفقهِ (آثمٌ شرعاً) ومخالفٌ لسنةِ النبيِّ الذي كانَ يعملُ ويأخذُ بالأسباب.
حكمُ القلب (الباطن): وهو التحريمُ الفقهيُّ لـ (الهمِّ والقلقِ المذمومِ) الذي يقطعُ نياطَ القلب؛ بأنْ يعتقدَ العبدُ أنَّ رزقهُ في غدٍ مرهونٌ بذكائهِ وحيلتهِ لا بضمانِ الرزّاق!
إذن، سكينُ التفكيرِ في الغدِ المنهيُّ عنها فقهياً هي "سكينُ سوءِ الظنِّ باللهِ ومنازعتهِ في تدبيرِ الكون"، وليست التخطيطَ المباحَ أو السعيَ المشروع.
فاعملْ بجوارحكَ تعبّداً، وفوّضْ بقلبكَ توكلاً، تسلمْ لكَ شريعتك.
فقهُ الطهارةِ الغيبيةِ ودورةُ الأنفاس
ويختمُ الشيخُ تفريغَ هذه المحاضرةِ بربطِ حركاتِ البدنِ بأصولها الغيبية: "الأنفاسُ هذهِ منحُ تجلِّي اسمِ اللهِ الحيِّ، النومُ تجلِّي اسمِ اللهِ المميتِ، والاستيقاظُ تجلِّي اسمِ اللهِ الحيِّ، وما بينهما تجلِّي اسمِ اللهِ القيُّومِ؛ مصداقاً لقولهِ تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (سورة الزمر)⁽⁵⁾".
يا جماعة يجب أن نقرأَ الحياة؛ ما يجري عليكَ من يقظةٍ ونومٍ وروحةٍ وغدوة، هذهِ منحٌ عظيمةٌ أجراها اللهُ على جوارحكَ الترابيةِ بمنحٍ روحية.
كيفَ يا إخواننا هذهِ الغفلةُ عن الله؟ إنَّ الفقيهَ بحقٍّ هو من يتأدَّبُ مع حقيقةِ اسمِ اللهِ الحيِّ، ويعيشُ قويّ بيه ويحيا بيه لدرجةِ إنْ هو يرى أثرَ ذلكَ على جسده قبلَ روحه.
كلُّ يومٍ يعيشهُ الإنسانُ هي فرصةٌ جديدةٌ ممنوحةٌ من تجلياتِ اسمِ اللهِ الحيِّ، لتعيشَ كلُّ ساعةٍ بتعطاها في حياتكَ هي منحةٌ من تجلِّي اسمِ اللهِ الحيِّ، كلُّ نَفَسٍ الشهيقُ والزفيرُ كلُّ هذهِ تجلياتُ اسمِ اللهِ كي تحيا.
واللهُ سبحانهُ وتعالى لا يردُّ مسألةً أبداً، لكنْ لسابقِ علمهِ بأنَّ إحنا أعطيناكَ هذه الفرصةَ مراتٍ لا تعدُّ ولا تحصى، تظلُّ الأنفاسُ هذهِ منحَ تجلِّي اسمِ اللهِ الحيِّ.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

الشيخ جابر بغدادي