Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة

الأحكام الفقهية في دفع صائل السحر ومكائد البشر: مشروعية صلاة الحاجة والصلاة المنجية

مقال فقهي رصين يستنبط من توجيهات الشيخ جابر بغدادي الأحكام الشرعية في التعامل مع ما يُسمى "سحر التعطيل"، مبيناً حرمة اللجوء للدجالين، ومؤسساً لفقه الدعاء وصلاة الحاجة، مع بيان مشروعية التوسل بالصلاة المنجية لفك الكروب وفق ضوابط الشريعة المطهرة.

فقه التعامل مع النوازل ومواجهة الدجل والمكائد
يا ولدي، إذا حلت بك النوازل، ورأيت أن قوماً يرومون عزلك عن مقامك، أو يبتغون التفريق بينك وبين أهلك، أو يسعون للعدوان عليك، واجتمعوا وأحكموا كيدهم؛ فإن الشريعة الإسلامية الغراء قد وضعت لك منهاجاً فقهياً دقيقاً للتعامل مع هذه الكروب.
فلا يداخلن قلبك خوف من أحد، بل قف عند حدود الشرع، مستحضراً قوله جل في علاه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
إن الفقه الصحيح يوجب على المسلم أن يعلم أن الله لم يترك عباده لتصاريف البشر، فالشريعة تقرر أن الخالق هو المانح للحياة، ولا يملك أحد نزعها إلا بإذنه، وهو الرازق، ولا يملك مخلوق إيقاف رزقه.
ومن هنا، يبرز الحكم الفقهي القاطع في تحريم اللجوء إلى السحرة أو تصديق من يدعي القدرة على الضر المستقل.
وهنا لابد من إرساء قاعدة فقهية احترازية هامة: إن يقيننا بأن الله هو الحافظ والمنجي، لا يعني بحال من الأحوال تعطيل فقه "الأخذ بالأسباب" الذي أمرت به الشريعة.
فالمسلم مأمور شرعاً باتخاذ كافة التدابير الدنيوية المباحة لدفع الأذى عن نفسه وماله وعرضه، واللجوء إلى القضاء والجهات المختصة لردع المعتدين، بالتوازي مع اللجوء الروحي والدعاء.
فترك الأسباب بالكلية مخالف لمقاصد الشريعة، والاعتماد عليها بالكلية شرك، أما التوازن بينهما فهو عين الفقه السليم.
الحرمة الفقهية للجوء إلى العرافين ومدعي فك التعطيل
يأتي أحدهم شاكياً: "لقد صنعوا لي سحر تعطيل"! يا ولدي، من الناحية الفقهية، مَن هؤلاء الذين تزعم أنهم يعطلون تدبير الله؟ إن وهم التعطيل هذا ما هو إلا تجلٍّ لمعنى محاولات الإيقاف المذكورة في القرآن، ولكنه في ميزان الشرع أوهى من حفنة تراب تذروها الرياح.
ومما يندى له الجبين في زماننا، وتأباه الشريعة الغراء، أن فضاءات التواصل الاجتماعي قد امتلأت بغثاء الدجل والتخاريف، حتى إن العوام قد اطمأنوا إليها، ووثقوا بها، ولجأوا إليها طلباً للخلاص.
إن الشارع الحكيم قد حرم اللجوء إلى هؤلاء تحريماً قاطعاً، وجعل مجرد تصديقهم مفسدة للدين، فقد صح عن نبينا الأكرم أنه قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»⁽²⁾.
فإياك يا ولدي أن أسمع مسلماً مسلماً لله يردد بلسانه مخالفا فقه النطق السليم: "لقد عقدوا لي سحر تعطيل".
فهذا اللفظ يخالف صحيح الفقه الذي يوجب نسبة الأفعال النافذة لله وحده.
وقد علمنا القرآن في فقه السيرة، أن الأنبياء حين مكر بهم الكفار، كما حدث مع روح الله سيدنا عيسى عليه السلام حين أجمعوا على قتله، جاء الحكم الإلهي النافذ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾⁽³⁾.
فقد مكروا ليقتلوه ومكر الله لينجيه؛ وفي هذا بيان تشريعي وعملي للأمة، بأنه لا حيلة لمخلوق أمام مراد الخالق، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽⁴⁾.
فقه النوافل والبديل الشرعي بصلاة الحاجة
فإذا ما ضاقت بك السبل، فإن الفقه الإسلامي لم يتركك أعزلاً، بل شرع لك "صلاة الحاجة"، وهي من النوافل المستحبة التي يلجأ إليها المسلم عند نزول الملمات.
وقد وجهنا الشيخ هنا إلى تطبيق عملي بليغ لهذه السنة، قائلاً: قُم فصلِّ ركعتين لله تعالى.
ومن فقه هذه الصلاة، جواز تخصيص آيات معينة للقراءة فيها مما يتناسب مع حال الداعي، وهذا مما استحبه العلماء وجرى عليه عمل الصالحين في "المجربات" التي لا تخالف نصاً.
فاقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾⁽⁵⁾.
وصلِّ في الركعة الثانية بقراءة قوله الحق: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾⁽¹⁾.
هذا التخصيص القرآني في الصلاة جائز شرعاً، وفيه استحضار لمعاني تفرد الله بالملك، واستمطار لرحماته في إبطال مكر الماكرين.
فقه الدعاء ومشروعية التوسل بالصلاة المنجية
ثم يوجهنا الشيخ بعد الصلاة إلى فقه الدعاء، وهو عبادة مستقلة، مبيناً مشروعية التوسل إلى الله بأحب الأعمال، ومنها الصلاة على النبي بصيغ مباركة جامعة.
فيقول: ثم بعد ذلك قل: "اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتنجينا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات"⁽⁶⁾.
ومن الناحية الفقهية، فإن استخدام هذه الصيغة المعروفة بـ "الصلاة المنجية" جائز ومستحب، فهي من إلهامات الصالحين التي تلقتها الأمة بالقبول، ولا بأس شرعاً في الدعاء بها.
فالشريعة أباحت التوسع في صيغ الدعاء والصلاة على النبي ما دامت المعاني صحيحة ولا تخالف أصول الدين.
والنجاة هنا والرفع والقضاء إنما تُطلب من الله تعالى "ببركة" الصلاة على نبيه، وهذا من التوسل المشروع بالعمل الصالح.
فحينها، وببركة هذا الالتزام الفقهي والروحي، سينفك عقد كل تعطيل، إن كان له في الواقع من وجود.

الشيخ جابر بغدادي