بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار الصمدانية وباب الريان: تأملات روحانية مع الدكتور جابر بغدادي في كرامات الصيام
أسرار الصمدانية وباب الريان: تأملات روحانية مع الدكتور جابر بغدادي في كرامات الصيام
## كرامات الصيام وأسرار باب الريان يا ولدي، اعلم أن من جليل كرامات الصيام الدخول على الله جل جلاله من باب خاص، ألا وهو باب الريان ⁽¹⁾ (صحيح البخاري). والريان مشتق في لسان العرب من الري، وهو بابٌ اصطفاه الله فلا يدخل منه إلا الصائمون، فإذا دخلوه أُغلق ولا يدخل منه غيرهم البتة. ولعل سائلاً يسأل، استنهاضاً للهمم وإيقاظاً للبصائر: لِمَ جعل الله للصائمين باباً يُدعى الريان؟ والسر في ذلك يكمن في أنهم ظمئوا لله في دار الفناء، ولقد وعد الحق جل جلاله، ووعده الحق، حين قال: ﴿إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا﴾ ⁽²⁾ (الشرح: 6). فمن جاع لله هنا في دنياه، لن يذوق مرارة الجوع هناك في أخراه، ومن عطش هنا، فلن يظمأ يوم القيامة.
## الصوم مدرسة الصبر وشفيع الخلائق وقد عرف سادتنا العلماء الصوم بأنه عين الصبر، وكيف لا يكون كذلك، وقد تجلى الحق سبحانه في بيان عظيم جزاء الصابرين بقوله: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسابٍ﴾ ⁽³⁾ (الزمر: 10). ومن كرامات هذا الفرض الجليل مقام الشفاعة؛ فإن الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة ⁽⁴⁾ (مسند أحمد). يأتي الصيام شفيعاً لك، يا ولدي، شاهداً بأنه منعك الطعام ومنعك الشهوة في نهارك، ويأتي القيام ليكون شفيعك المجلل بالنور، شاهداً بأن تلاوة القرآن وطول القيام بين يدي الله قد منعك لذة الرقاد والمنام.
## دوائر الصمدانية ومعارج الارتقاء الروحي إن الإنسان السالك طيلة شهر رمضان يسبح في دائرة نورانية من دوائر الصمدانية. وما حقيقة الصمد يا ولدي؟ الصمد في أسرار تجلياته هو الذي لا جوف له ⁽⁵⁾ (تفسير الطبري - الإمام ابن جرير الطبري ت: ٣١٠ هـ)، ومعنى ذلك أنه منزه عن الحاجة إلى شهوة، غني عن كل أحد، وكل مخلوق إليه فقير محتاج. فالصيام، إذن، مدرسة روحية تُعلم الإنسان كيف يتخلق بوصف الصمدانية؛ فتراه يَرِقُّ قلبه، ثُمَّ يَنْتَقِي من المعاني أصفاها، فَيَرْتَقِي في معارج القرب، حتى يَلْتَقِيَ بأنوار المشاهدة. ولأجل هذا السر الأكبر قال المولى عز وجل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقونَ﴾ ⁽⁶⁾ (البقرة: 183).
## معاني التقوى ومقامات الزهد وحرف "لعل" هنا في الآية الكريمة، عند أهل الله، يفيد الوجوب والتحقيق، فالتقوى في حق الصائمين حاصلة وواقعة. ومن جليل بركات هذه التقوى أنكم تتقون فتنتقون، وتتقون فترقون، وتتقون فترتقون، حتى تتقون فتشهدون فتلتقون. واعلم، يا ولدي، أن التجلي بالصمدانية يقتضي من المريد الزهد في أربعة مقامات: الزهد في الكلام، والزهد في الأنام، والزهد في المنام، والزهد في الطعام. وهذا الكمال الروحي لا يتحقق إشراقه في القلب إلا باجتماع النورين؛ صيام النهار، وقيام الليل.
## شروط القبول الخفية وخطر حظوظ النفس ثم إني أُحذرك، يا ولدي، من مزلق خطير يغفل عنه الكثيرون؛ فقد يتقن العبد شروط صحة الصيام الظاهرة، بيد أنه يغفل تماماً عن شروط قبول الصيام الباطنة. وأول شروط القبول وأعظمها تقوى الله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقينَ﴾ ⁽⁷⁾ (المائدة: 27). وثانيها مقام الإنابة؛ فالإنسان المؤمن دائم الإنابة إلى الله يرجو القبول في كل أحواله. واعلم يقيناً أنك في طاعة الله أرجى لطلب العفو والمغفرة منك في حال المعصية؛ والسر في ذلك أن حظ النفس في المعصية ظاهر جلي تدركه الأبصار، أما حظ النفس في الطاعة من عجب ورياء فخفي ومستتر، وما خفي كان أعظم وأخطر! لذا وجب على السالك أن يطلب دائماً من الله القبول على كل حال؛ سواء أخرج صدقة، أو أسعف مسكيناً، أو قام من الليل، أو طال ابتهاله، أو امتد وقت مناجاته وتضرعه إلى مولاه. وفي الأثر القدسي الجليل، حين يُسأل الرب جلا وعلا: ممن تتقبل الصلاة يا رب؟ يقول عز من قائل: «إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصراً على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب» ⁽⁸⁾ (مسند البزار).
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة الصائمين: من أسرار الصمدانية إلى شفاعة الدارين)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (أسرار فقه الصيام ومقامات القبول: قراءة تفصيلية في توجيهات الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار الصمدانية وعلاج حظ النفس الخفي: رحلة التزكية في فقه الصيام)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (هل تتخيل أن يُنادى اسمك من هذا الباب؟ 🕊️)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (الخوف من رد الطاعات.. كيف أنجو من حظ النفس الخفي وداء العُجب؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (ألم الجسد ومكابدة العطش.. هل يقودني إلى نعيم الروح ودوائر الصمدانية؟)الأسئلة
