بقلم: الشيخ جابر بغدادي
سر النجاة في سورة الملك: دليلك الروحاني لعدم التعلق بالأسباب
سر النجاة في سورة الملك: دليلك الروحاني لعدم التعلق بالأسباب
أتقرأ يا ولدي سورة الملك؟ أم أنك لا تزال مشغولاً بوهم المُلك الفاني؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾⁽¹⁾...هل تدرك يا بني سر هذا الاستهلال الرباني العظيم؟ إنما بدأ الحق جل جلاله كلامه بهذا النداء الخالد، كي لا تتشتت روحك، ولا ينشغل قلبك بالأسباب الواهية؛ فكل هذه المملكة التي تعيش في كنفها، وتظن أنك تملك منها شيئاً، هي في قبضة الملك الحق، مسخرة بأمره وتحت طوع إرادته.
التجرد من الأسباب والتعلق برب الأرباب إذا كان ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، فهل بقي في يد أحدٍ من الخلق ذرةٌ مما ترجوه وتأمله في هذه الدار؟ عجباً لك يا ولدي، كيف تُعلّق قلبك بالناس، وتُضيّع نفائس أوقاتك في استجداء الخلق، ومفاتيح الخزائن كلها بيد الخالق؟ إن من عرف المالك استغنى عن المملوك، ومن أبصر يد الله الممدودة بالعطاء، قطع اليأس مما في أيدي الناس.
طمأنينة اليقين في قدرة رب العالمين قد يوسوس لك الوهم الماكر في ظلمة ليلك فيقول: "نعم، لعل المُلك بيده، ولكنه قد لا يُعطيني مسألتي أو لا يحقق لي غايتي"، فيأتيك الرد الإلهي القاطع، ليجتث جذور الشك من فؤادك، ويُرسخ قواعد اليقين في روحك: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾⁽²⁾.
فسبحانه الخبير بضعفك وحاجتك، القادر على إجابة دعائك؛ فهو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
حقيقة الموت والحياة في ميزان الابتلاء ثم يتجلى الحق سبحانه في آياته الكريمة قائلاً: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾⁽³⁾.
تأمل يا ولدي هذا المعنى الجليل؛ حين يشتد الكرب بأحدنا، وتضيق عليه الأرض بما رحبت، يصف شدة حاله وعظيم بلائه قائلاً: "لقد كنت أصارع بين الموت والحياة".
فإذا كانت أصعب لحظات الوجود، وأشدها وطأة على النفس الإنسانية هما الموت والحياة، فإن الخالق العظيم يخبرك بأنه هو المتفرد بخلقهما، والمسيطر على زمامهما.
فإذا أيقنت بأن أشد ما تخافه خاضع لربك، لزمك أن تولي وجهك شطر الملك الحق، وتلوذ بساحته الآمنة.
سر النجاة وعبور البرزخ بسلام ولعلك تتساءل يا ولدي في قرارة نفسك، باحثاً عن سر هذه السورة العظيمة: كيف لسورة الملك أن تنجيك وتكون هي المجادلة عن صاحبها في ظلمة القبر⁽⁴⁾؟ الجواب يكمن في البصيرة التي تزرعها في قلبك؛ فهي تُعلّمك يقيناً لا يخالطه شك، أن هذه المملكة التي تعيش فيها وترجو نوالها، من أدنى الأرض إلى أعلى السماء، تخضع خضوعاً تاماً وتسليماً مطلقاً لظل قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾⁽⁵⁾.
فإذا تشرّب قلبك هذا الفهم العميق، وامتزجت روحك بهذا اليقين الراسخ، فلن تأكل الأرض جسدك، ولن يضيق القبر عليك أو يرهقك ظلامه.
بل سترتحل في طمأنينة وسكينة من دولة الدنيا الفانية، لتلج إلى دائرة البرزخ الفسيحة، تعيش فيها قرير العين، هانئ الروح، في ضيافة الملك الجليل، آمناً مطمئناً لا يمسك نصب ولا يرهقك عذاب.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة التوحيد في سورة الملك: كيف يحررك اليقين من التعلق بالأسباب)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الأخذ بالأسباب وتزكية القلوب في سورة الملك: إضاءات من توجيهات الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار التزكية في سورة الملك: رحلة الروح من سجن الغفلة إلى فضاء اليقين)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التوثيق العلمي والروحاني لإشارات سورة الملك)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (الخلاص من رعب الموت وأسرار النجاة من عذاب القبر)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (دواء القلب من داء التعلق بالخلق والأسباب)الأسئلة
