بقلم: الشيخ جابر بغدادي
في مقامات التسليم: كيف يطمئن قلبك في أودية البلاء
في مقامات التسليم: كيف يطمئن قلبك في أودية البلاء
## حقيقة الدنيا وأسرار المنع الإلهي اعلم يا ولدي، أن هذه الدار الدنيا ليست مستقراً للصالحين ولا دار نعيم دائم لهم. فالعجب كل العجب من أولئك الذين يمضون نهارهم في تبرم وشكوى، يهتفون في ضيق وحيرة: لِمَ كل هذا يا رب؟ وإلى متى سنمكث في طيات هذا البلاء؟ أين غابت عنكم البصيرة؟ إن وراء هذا المنع رباً عليماً حكيماً، له في كل منع حكمة بالغة، فيجب علينا أن نعي عن الله مراده، وأن نفهم عنه أسرار أفعاله. ما بال أقوام إذا أُعطوا حمدوا، وإذا مُنعوا جحدوا؟ إن العبد الرباني الموصول بالله، متى أعطاه مولاه قال: الحمد لله، ومتى منعه أدرك أن المنع هو عين العطاء، فيقول بقلب راضٍ: الحمد لله ⁽¹⁾. إن العبد الحقيقي هو المستسلم بكليته لحكم ربه؛ فتستوي عنده الأضداد: الصحة والسقم، والمدح والذم، والعطاء والبلاء، فكل ذلك عند أهل المحبة والهوى سيان لا فرق بينها، لأنها من لدن حبيب واحد يعلم خفايا النفوس ومصالحها ⁽²⁾.
## مقام التسليم وترك المنازعة إن مقام التسليم الكامل يتجلى في ألا ينازع الإنسان ربه في إرادته وقضائه، فلا مجال هنا في حضرة الربوبية لقول: "لِمَ؟" أو "كيف؟" أو "لأجل ماذا؟". مصداقاً لقول الحق جل جلاله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ⁽³⁾. فأين هو الصبر الجميل؟ وأين نحن من قوله تعالى الذي يزلزل القلوب الغافلة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ⁽⁴⁾.
## الإسراء والهجرة: مشاهد في تجليات العبودية إن التسليم لهو السمة العظمى من سمات الواصلين والمُصلِّين العارفين. ولنا في سيرة المصطفى ﷺ أسوة وأسرار؛ فتأمل يا ولدي رحلة الهجرة النبوية، لقد استغرقت من النبي ثمانية أيام كاملة، على الرغم من أن العدو كان متربصاً ومحيطاً به في ليلة الهجرة. وفي المقابل، انظر إلى ليلة الإسراء والمعراج، هل كان هناك من يقتفي أثره أو يطارده؟ كلا. ومع ذلك، فقد قطع في الهجرة نصف المسافة محكوماً بالقوانين الأرضية والأسباب المادية، ولما جاء فضل الله وأُسري به، قطع أضعاف أضعاف تلك المسافة في زمن يسير جداً، حتى إنه عاد وفراشه لا يزال محتفظاً بدفئه ⁽⁵⁾. فما السر في ذلك؟ طالما أنه لم يكن هناك عدو يطارده في الإسراء، فلِمَ طويت له المسافات والأزمان بهذا الشكل المعجز؟ السر أن الله سبحانه وتعالى أراد في تلك الليلة المباركة أن يُثبت للوجود أجمع أن محمداً ﷺ هو "عبد"، والعبد متقلب في مشيئة مولاه، لا حول له ولا قوة، كأنه ريشة في فلاة تقلبها رياح الأقدار كيف تشاء ⁽⁶⁾. ولذلك يترنم أهل المعاني قائلين: "وشرطُ الهوى فيكم فناءُ الإرادةِ" ⁽⁷⁾، فالعبد المحب الصادق لا يحب تعجيل ما أخره الله، ولا يحب تأخير ما عجله الله ⁽⁸⁾.
## صدق العهود وشهود الجمال المطلق وتأمل يا ولدي كيف يصف الله خواص أوليائه وأهل الصدق معه بقوله: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ⁽⁹⁾. فماذا كان جزاء هذا الصدق الأكبر؟ هل قال الحق في حقهم: فمنهم من حيزت له الدنيا بحذافيرها ونال زخرفها؟ كلا، بل قال واصفاً تضحياتهم وتسليمهم المطلق: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ⁽¹⁰⁾. فبتمام مقام التسليم، وحين تشهد بقلبك الصافي أن الله سبحانه وتعالى هو الفاعل الأوحد في هذا الوجود، فحينما ترى الله في الكل فاعلاً، وتستسلم لإرادته تسليماً تاماً، حينها فقط سترى جميع الكائنات مِلاحاً حساناً، ولا تشهد في الكون كله إلا الجمال الإلهي المطلق ⁽¹¹⁾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (إلى القلوب المتعبة من البلاء: عقيدة التسليم ورؤية الله فاعلاً في ضوء توجيهات الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (إلى القلوب المتعبة من البلاء: فقه التسليم وفناء الإرادة في الله للشيخ جابر بغدادي)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (إلى القلوب المتعبة من البلاء: أسرار التسليم ومقامات الرضا في مدرسة التصوف السني)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (أنواع الناس في الهجرة)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (إلى القلوب المتعبة من البلاء: كيف أطمئن وأسلم لقضاء الله؟)الأسئلة
