بقلم: الشيخ جابر بغدادي
التدرج في المعصية: خطة الشيطان الخفية لسلب النور.. رسالة مهمه من الدكتور جابر بغدادي
التدرج في المعصية: خطة الشيطان الخفية لسلب النور.. رسالة مهمه من الدكتور جابر بغدادي
إن الشيطان، يا ولدي، حين يبتغي سلبك نورك وإطفاء جذوة إيمانك، لا يسرقك دفعةً واحدةً؛ إذ يعلم أنك متيقظٌ حذر، ترابط في محرابك، تقيم الفريضة وتتبعها بالسنة، وتجعل ما بين الفرض والسنة سبحةً من الذكر وختاماً للصلاة. فكيف يصنع إبليس ليوقعك في مهلكة الغواية؟ إنه يأتيك بخبثه من أبعد الثغور، يخطط ليوقعك في مصيبة محققة، فيسلبك طاعاتك واحدةً تلو الأخرى. يقف على أطراف خندق السنن، ويهمس في روعك مهوناً: "يا هذا، إنما هي سنة، فدعها ولا بأس عليك!".
فإذا ما استمعت لوسوسته، وبطلت السنة، فاعلم يقيناً، يا ولدي، أن إبليس قد احتل أول خطٍ في دائرة حصنك، واستولى عليك روحياً من الخارج؛ كأنه كسر سور حديقتك وبات يقف على باب دارك. ثم يبدأ، لعنه الله، في حياكة مكائده حول الصلوات المفروضة. فإذا ما نجح في تضييع السنن، وتراخت عزيمتك، وبدأ الكسل والإهمال يدب في أوصال فرائضك، فاستلم حينها العاقبة المفجعة، وتأمل الآية الكريمة: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾⁽¹⁾. فإضاعة الصلوات متلازمةٌ حتماً مع اتباع الشهوات. وما إن تُفتح هذه البوابة، يا ولدي، حتى تنطمس البصيرة. أرأيت كيف اهتدى العدو إلى عين بصيرتك؟ أرأيت كيف نفذ إلى سويداء قلبك؟ اتخذها خطوةً خطوة، مبدؤها إضاعة الصلاة.
وما إن تنطمس بصيرة الإنسان، ويصل الشيطان إلى أعمق أعماق قلبه، تبدأ رحلة الانحدار. في البداية، يا ولدي، حين ترتكب الذنب وتستولي عليك الشهوات، قد تقترف ذنباً صغيراً فيعقبه حزنٌ عظيم. ثم تقترف الصغير فيقل حزنك. ثم تتجرأ على الكبيرة فيعتريك حزنٌ شديد، ثم تأتي الكبيرة فلا تحزن إلا قليلاً. وتتمادى حتى تقترف من أكبر الكبائر وما تكاد تشعر، لتصل في نهاية المطاف إلى المجاهرة بالذنوب، وكأنك شيطانٌ مارد. ولأجل هذا التدرج المهلك، حذرنا الحق تبارك وتعالى قائلاً: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾⁽²⁾؛ لأنه لن يصل إلى أعماقك دفعةً واحدة، إذ يعلم أن في جوفك نوراً من الله ساطعاً منذ أن صدحت: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله".
إن صلواتك، يا ولدي، هي وقود هذا النور، ولذا وجب علينا أن نحرص أشد الحرص على إقامتها، وأن نتشبث بالسنن. وهل تدرك ما حقيقة هذه السنة؟ إنها في جوهرها استشفاعٌ بحضرة النبي المختار ﷺ لقبول الفرض الناقص؛ إنني أستشفع بعمل حضرة النبي ليُقبل فرضي. أضف إلى ذلك، أنها السور المنيع الذي تبنيه حول الفريضة، فإذا أراد الشيطان أن يأكل من طاعتك، أكل من الأطراف ولم يمس الجوهر.
مع أن سيدنا ومولانا محمد ﷺ قد بشرنا قائلاً: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ»⁽³⁾، فما الذي يشغلك، يا ولدي، عن هذا البيت الموعود؟ تبني لك كل يوم بيتاً في دار البقاء، وأنت مشغول ببيتٍ في دار الفناء سترحل عنه وتتركه! تفني ثلاثين عاماً من عمرك لتبني بيتاً في هذه الدنيا الرذيلة، بينما يمكنك أن تبني بيتاً في الجنة بعمل يسير: صلاة السنة.
أتدرك، يا ولدي، ما يعنيه أن يكون لك بيت في الجنة؟ لما سُئل العارفون: "صفوا لنا الجنة ونعيمها؟"، كان جوابهم النابع من مشكاة العشق: "فيها رسول الله". فهل لك أن تتصور أن مواظبتك على هذه الاثنتي عشرة ركعة، إكراماً لخاطر النبي الأعظم، قد يُجعل لك بها شرفةٌ تطل منها مباشرة على القبة الخضراء في الجنة؟ فاعلم يقيناً أنه لا ينال المِنَن، قلبٌ مضيع للفرائض زاهد في السنن.
إن هذه الدنيا، يا ولدي، ما هي إلا مهزلة، ومعركةٌ طاحنةٌ بين أهلها، وعما قريب ستنجلي غمرتها، وينقشع غبارها، ويصفو لنا المشهد على حقيقته. فاعمل جاهداً لدار غدٍ، واسمع بقلبك لما رُوي في الأثر عن باب مدينة العلم، الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين أنشد مناجياً:
"اعمل لدار غدٍ رضوان خازنها ... الجار أحمد والرحمن بانيها"
"قصورها ذهب والمسك طينتها ... والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها"⁽⁴⁾.
