بقلم: ام محمد
درس في السعادة تعلمناه من كلام النملة مع سيدنا سليمان
درس في السعادة تعلمناه من كلام النملة مع سيدنا سليمان
نداء التوحيد وقطع الطمع
اعلم يا ولدي -أنار الله بصيرتك بجلائل معرفته- أن حقيقة التوحيد وسر الأمان الروحي يكمنان في قطع حبال الطمع عما في أيدي الخلائق، والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب الفرد الصمد؛ فما تليق عزة المريد بالخضوع لغير عتبة مولاه، وكما صاغ أمير البيان في قديم حكمته حين قال: "لا تخضعن لمخلوق على طمع فإن ذلك نقص منك في الدين" ⁽¹⁾ "لا يملك العبد أن يعطيك خردلة إلا بأمر الذي سواك من طين" ⁽¹⁾
وإن في كتاب الله العظيم لآيات تتجلى فيها لطائف تدهش العقول، ويفيض منها فقه غريب وعلم عجيب جرى على لسان مخلوق لطيف ضعيف، إذ يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ ⁽²⁾.
فقه النملة وإشارات العارفين
تأمل معي يا ولدي هذا النداء المليء بالأسرار الذوقية الشريفة؛ كأن هذه النملة في حقيقة أمرها ولسان حالها كانت تنادي معشر النمل قائلة: "يا أخواتي من معشر النمل، إنكن في ديمومة الذكر والثناء، تلهج لغاتكن بالتسبيح ولا تفترون عن ذكر الله تعالى، وإني لأخشى عليكن إن مررتم بساحة سليمان أن تلتفت بصائركن إلى زهو ملكه العريض، وزينة دنياه الفانية، فيتطرق الفتور إلى قلوبكن، وتهلكن غفلة بعد أن كنتن في حضرة الله العلية!"
نعم يا ولدي، لقد داخلها الخوف الروحي الشريف على قومها، فشفقت عليهم أن يدعوا سبحات الذكر الصافية، ويتركوا أوراد الثناء القانت، ليتلفتوا بنواظرهم وقلوبهم إلى بهرج سليمان وجنوده! وما أصدق ما سطره أهل الذوق في هذا المقام العالي: "وما لم تكن تغنيك نظرة ودنا فلا ينقذ الغرق النداء بلا يد" ⁽³⁾
فلما وعى نبي الله الملك سليمان -عليه السلام- سر نطقها، وفهم إشارة وعظها، انفتحت سريرته على مشهد من التعجب والتعظيم الإلهي، فما كان منه إلا أن: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا ﴾ ⁽⁴⁾. لقد تعجب عليه السلام إعظاماً وإجلالاً لهذا الفقه الباطن البليغ، ولسان حاله يقول مستعظماً: "يا الله! إن العوالم كلها والخلائق الكثيرة قد لا تنتبه لهذا السر اللطيف، بينما هذه النملة الصغيرة في حجمها، هي نملة فقيهة في دينها، نملة عارفة بربها، مقبلة بكليتها على مولاها!"
ثم قال في مناجاته: "يا الله! لعل الباري جل جلاله قد أفاض على هذه النملة الصغيرة من أنوار حكمته القدسية ما جعلها درعاً يحفظ أخواتها من النمل، ويقيهن غائلة الغفلة والهلاك الروحي".
ذروة الحكمة وسر السلوك
أو تدرين يا ولدي ما منتهى الحكمة وذروتها السامقة؟ إنها معرفة العبد قدر نفسه، ووقوفه عند حده في طريق سيره إلى ربه. فهذه النملة المباركة، وهي تسير في مناهج العبودية، لمّا لمحت أقواماً وجموعاً وجنوداً هم أثقل وزناً وأعظم جاهاً بمقاييس الدنيا، لم تبهجها العظمة الظاهرة، بل ركنت بقومها إلى جانب الأمان والافتقار، وحرصت أشد الحرص على سبحتها وأورادها، وحفظت إخوانها من فتنة الالتفات المهلك.
إن غنانا الحقيقي بالله سبحانه وتعالى هو وحده مظهر عزنا الأوحد بين خلق الله قاطبة، وإن حسن الجثو والانكسار، والتخضع التام والافتقار الصادق على باب الله، هو عين مشهد غنانا الحقيقي ومظهر سؤددنا بين أولئك الذين ظنوا أنهم استغنوا بما أغناهم الله به من حطام الدنيا الزائل.
واحذر يا ولدي، فإن من رام أجر البر المحض ونسب نفسه إلى طريق أهل الله، ولم يشهد في حال مراده صدق الطلب ونقاء الطوية، فقد ضيع أوراده بالعلل والتعقيبات الدنيوية الفاسدة؛ وما دمت تتخذ طريق السلوك والدين والآخرة مجرد مطية ووسيلة لتجمع بها أموال الناس وتحوز بها رضاهم، فابشر بالصَّدِّ والطَّرد والحرمان عن الباب العلي المرفوع.
لذا، لما جاء النداء الإلهي حاملاً حكاية النملة: ﴿ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ﴾ ⁽²⁾، كان لزاماً عليك أن تتفكر: أين مسكنك الروحي ومستقرك الإيماني يا ولدي؟ إن مسكنك الحقيقي الآمن هو تحت قدمي شيخك المربي وعالمك المرشد، حيث تجلس بأدب وانكسار، ممتثلاً خاضعاً، لا تلتفت في حلقة شيخك إلى أحد غيره، ولا يشغلك عنه شاغل من زينة الدنيا الخداعة؛ فإنه ما لم تغتنِ وتكتفِ بروحانية هذا المشهد الشريف والسر اللطيف، فلن تغتني أبداً طوال دهرك.
غنى النفس والاكتفاء بالكفاف
لقد قرر أرباب المعرفة السلوكية حقيقة تزن الجبال، حيث تتابعت الكلمات مأثورة: "فغنى النفوس هو الكفاف وإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها" ⁽⁵⁾ "فغنى النفوس هو الكفاف وإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها" ⁽⁵⁾
نعم يا ولدي، إن غنى النفس هو الرضا ، فإذا لم تكن عطية مولانا ونعمه التي قسمها لك بعلمه الأزلي كافية لقلبك ومملوءة برضاك، فلن ينفعك شيء بعدها أبداً؛ لو كرعت من البحار كلها فلن ترتوي، ولو حزت كنوز الليل والنهار مجتمعة في يدك فلن تغتني!
فالغني حقاً وصدقاً في ميزان الحقيقة هو من جاد وأنفق ولو كان في ظاهر الأمر فقيراً معوزاً، والفقير حقاً وصدقاً هو من احتاج وطمع وتطلع إلى ما في أيدي الغير ولو كان في عيون الناس غنياً موسراً ممتلئ الخزائن، وفي هذا المعنى الشريف ورد في الأثر الثابت: « لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ » ⁽⁶⁾.
ولأجل هذا المشهد العظيم البليغ الذي تجلى لنبي الله سليمان، انخلع من حوله وقوته وعظيم ملكه، وخرَّ لله ساجداً مستغفراً شاكراً، كما حكى القران الكريم: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِجينَ ﴾ ⁽⁷⁾.
فيا للعجب! ما أعظم هذا الشأن وما أجلّ هذا المقام! نملة صغيرة ضعيفة، جعلت نبياً ملكاً عظيماً كسليمان -عليه السلام- يُرَدُّ بكليته ويؤوب بقلبه إلى مقام الشكر المطلق، والثناء المستغرق، والافتقار الخاضع بين يدي الله رب العالمين!
