عقيدة الفضل والقبول في شعبان: تجليات العفو الإلهي بين الرجاء والعمل
إن شهر شعبان المكرم ليس مجرد محطة زمنية عابرة، بل هو ميقات عقدي وروحاني تتجلى فيه صفات الجود والكرم لحضرة الله جل جلاله؛ ففيه تُرفع الأعمال إلى ديان السماوات والأرض. ومن عظيم فيض كرمه سبحانه، وسعة رحمته التي سبقت غضبه، أنه حين تُعرض عليه صحائف العباد، لا يعاملهم بعدل الاستقصاء ليحاسبهم على كل زلة، بل يعاملهم بفضل الكرم، فينظر بعين الرحمة إلى "آخر سطر" فيها. وقد أصل سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ لهذا المعنى العقدي الجليل في قوله الشريف: «فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم»⁽¹⁾، الوارد عن الإمام الحافظ النسائي [ت: ٣٠٣ هـ، ركن من أركان الحديث]. وفي هذا دلالة عقدية واضحة على أن العناية الإلهية تلتفت إلى خواتيم الأعمال، لتجعل من الطاعة الخاتمة سبباً إلهياً لجبر كسر الصحيفة كلها. يا ولدي، اعلم يقيناً أن العقيدة الصحيحة توجب عليك أن تؤمن بأن الله لا يلتفت إلى جرائمك السالفة ولا إلى زلاتك المتتابعة بحثاً عن إهلاكك ومعاقبتك، بل إن رحمته تبحث لك في طيات صحيفتك عن توبة قريبة ومخرج من ذنبك. كأن لسان حال الرحمة الربانية يتساءل في الملأ الأعلى: ألم يبر هذا العبد بأمه فيقبل يدها؟ ألم يرفع حجراً أو أذى من طريق الناس؟ ألم يكظم غيظاً في قلبه؟ بل إن الصمت ذاته قد يُجعل لك فيه مخرجاً، فتبحث لك العناية بين السطور عن "صدقة صامتة". فإن لم يكظم غيظه وهو قادر على إنفاذه، أو لم يتحمل أذى الخلق، فهل ذرفت عيناه دمعة من خشية الله؟ ألم يحدث نفسه يوماً بعد طول جفاء قائلاً: لقد طال أمد الغفلة وساء الأدب مع الله، فهلم بنا نركع لله ركعتين؟ لله در هذا الكرم الرباني! فكأن النداء يأتي ليُقرأ آخر سطر في صحيفتك: هل أسعف مسكيناً؟ هل قضى ديناً عن أخيه المسلم؟ هل سد جوع أسرة متعففة؟ فيا عجباً لشهر شعبان الذي تُرفع فيه الأعمال؛ حيث تتجلى إرادة الله في التكرم والتعطف على عباده. كأنه سبحانه ينادي ملائكته: هاتوا أسماء المذنبين، لعل مُصراً قد انحلت في قلبه عقدة الإصرار، فله العفو! لعل عبداً قد أسعف ملهوفاً بعد أن اقترف جناية وجريمة، فيُتجاوز عنه! فلتُوسع يا ولدي في قلبك آمال العطاء، ولتنفسح في روحك رجاءات المغفرة، لأنك ترجو وتتأمل وتؤمل في رب كريم. وهنا يا ولدي، وجب التنبيه إلى تدبير عقدي بالغ الأهمية؛ فإياك أن تفهم من سعة هذا الكرم، ومن تلمس الحق جل جلاله للأعذار لعباده، أن تركن إلى الكسل أو تتواكل مرتكباً للمعاصي متعللاً بأن الله سيعفو حتماً. فإن هذا الفهم المنحرف يجر العبد إلى مستنقع "العقيدة الجبرية" الفاسدة، التي تسلب العبد إرادته وعمله وتنسب كل شيء للجبر. إن العقيدة السنية الصافية تقرر أن الله هو صاحب الفضل الأوحد في قبول التوبة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾⁽²⁾، بيد أن هذا القبول يستوجب من العبد السعي والعمل والندم. فالطاعة (كدمعة أو لقمة أو ركعتين) هي من "كسب" العبد وإرادته، ومغفرة الذنوب هي من "فضل" الرب ومشيئته؛ فلا جبر يُسقط التكليف، ولا غرور ينسب الفضل للعبد، بل هو تفضل من الخالق على سعي المخلوق. وما هذه الليالي الغراء والمواسم المباركة إلا نفحات وكرائم ربوبية، تنجلي بأنوارها على الضعفاء والفقراء والمساكين من عباده، أولئك الذين قد تضيق بهم سبل التوبة. ولكن، احذر يا ولدي أن يعطل هذا التجلي العقدي عليك أمران خطيران هما من قواصم التوحيد والسلوك: الإصرار والاستكبار. فقد جاء الاستثناء القاطع من هذا الفضل النبوي لكل مشرك ومشاحن⁽³⁾، كما نص الأثر عن الإمام الطبراني [ت: ٣٦٠ هـ، مسند الدنيا]. فالشرك يضرب أصل العقيدة، والشحناء تضرب أصل التسليم وصلاح ذات البين. فمن رام نظرة العفو والرضوان، فليحلل من قلبه "عقدة الإصرار" على الذنوب، وليتزين بالتواضع، وليتجرد من كبرياء نفسه. فيا حسرة على من ضيعت حظوظ نفسه حظوظاً إلهية كبرى! فاعلم يا ولدي أن هذه العطايا إنما أُعدت للقلوب الحنونة المنكسرة، والأيادي الكريمة السخية، والجفون السيالة بالدموع في الأسحار. ووالله، قد تنجيك من لجة الذنوب الغارقة التي انغمست فيها، مساهمة يسيرة لا تلقي لها بالاً، ما دامت العقيدة سليمة والقلب موصولاً.. دمعة ذُرفت من حنين أو شوق إلى الله.. أو لقمة وضعتها في فم جائع.. أو كلمة طيبة جبرت بها خاطراً مكسوراً.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أكبر المكاسب في شهر شعبان: كيف تدركك العناية في صحيفة أعمالك؟)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه الأعمال ورفع الصحائف في شعبان: قراءة شرعية وروحانية في أبواب العفو والمكفرات)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار التخلية والتحلية في شهر شعبان: كيف تفك عقدة الإصرار وتتعرض لنفحات القبول؟)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي والسلوكي لأكبر المكاسب ومكفرات الذنوب في شهر شعبان)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أثقلتني الذنوب طوال العام وأخجل من صحيفتي المرفوعة في شعبان، فهل لي من مخرج؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (أجتهد في الطاعات وأبكي، لكن قلبي محجوب بسبب خصومة وذنب أصر عليه!)الأسئلة
وقت القراءة 4 دقائق
