Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

موانع تجليات القرآن ومقام النبوة الأعظم: رؤية عقدية في أسباب الغفلة وحجب القلوب

في هذا المقال العميق، يغوص الدكتور جابر بغدادي في بحار العقيدة الصافية، مبيناً عظمة مقام النبوة المحمدية، ومحذراً من داء الغفلة الذي يعمي البصائر عن شهود أنوار الخالق في آثاره. كما يفصل فضيلته الموانع العقدية والنفسية التي تحول بين العبد وبين أنوار القرآن الكريم كالبخل والكبر ومجانبة الطهر، مع إرساء قواعد التنزيه ونفي عقائد الجبرية الباطلة، في طرح فريد يجمع بين صحة المعتقد وتزكية الروح.

مقام الحبيب الأعظم: نعيم يفوق الجنان وأنس يطرد الوحشة

يبدأ طائفة من أهل الله رحلتهم الإيمانية بتساؤل عقدي يهز الوجدان، ويوقظ العقول من ركود العادة: هل ثمة في الوجود ما هو أفضل من الجنة؟ وهل في الدنيا ما هو أشد خطراً وأعظم هولاً من النار؟ فيتبادر إلى الذهن العاجز أن الدنيا بأسرها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فكيف تحوي ما يفوق الجنة التي هي منتهى آمال السالكين؟ وكيف تضم ما هو أشد من النار التي تضافرت الآيات والأحاديث على وصف هولها العظيم وخطرها الجسيم؟

تأتي الإجابة العقدية الراسخة لتجلي الحقيقة: نعم، إن الذي في الدنيا وهو أعظم نعيم من الجنة هو ذات المصطفى سيدنا محمد ⁽¹⁾. وهذا ليس من باب الغلو -حاشا لله- بل هو إقرار بفضل الله ومظهره الأعظم، فالجنة مخلوقة دار ثواب، أما النبي فهو 'رحمة الله' المهداة، ولا يقارن المخلوق بمن كان سبباً في دلالة الخلق على الخالق. ولذلك كان العارفون إذا تلذذوا بالصلاة عليه قالوا: 'اللهم صل على جنة الجنة'. فهو الجُنة (الوقاية) من شرور الجِنة، وهو أُنس الروح من وحشة الإنس. وحينما طُلب من بعضهم أن يصف نعيم الجنة، أجاب بكلمة جامعة مانعة: 'فيها رسول الله'. فأي نعيم يضاهي جواره؟ وأي جمال يفوق حضرته؟

وهنا يجب التنبيه العقدي الحازم: إن تعظيم قدر النبي هو من تعظيم مرسله جل جلاله، ولا ينبغي لعاقل أن يظن أن هذا يمس جناب التوحيد، بل هو صميم التوحيد، إذ أننا نعظم من عظمه الله، ونشهد أن الفضل كله لله الذي ساق إلينا هذا الحبيب، وصنع في دنيانا روضة من رياض الجنة نصلي فيها عليه، ليجعل لنا به وقاية ونوراً.

داء الغفلة: العمى عن أنوار الخالق في آثار المخلوقات

وإذا كان مقام النبوة هو أعظم ما في الوجود من نعيم، فإن التساؤل الآخر يبرز: وما الذي في الدنيا أشد خطراً من النار؟ الجواب الصادم هو: "الغفلة".

الغفلة هي العمى الحقيقي، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾⁽²⁾. يظن العبد أنه كان في الدنيا ذا بصر ثاقب، فيأتيه الرد الرباني كاشفاً حقيقة عماه: لقد كنت ترى الشمس، ولكنك عميت عن نور من أضاءها! وكنت تبصر القمر، ولم تشهد من كساه بالبهاء! نظرت إلى السماء ولم تر قدرة رافعها، وتأملت الأرض فغاب عنك جلال باسطها، ورأيت الجبال فلم تدرك عظمة مرسيها.

إن هذا هو العمى العقدي الخطير؛ حيث تعمي "الآثار والأغيار" بصيرة الإنسان عن "الأنوار". ثم يترقى الإنسان في الغفلة فتعميه الأنوار الظاهرة عن "النور" المطلق جل جلاله، ثم يلتهي بالنور عن "الحضور" مع الله. وهنا نضع سياجاً عقدياً متيناً: إن دعوة الشيخ هنا لرؤية الخالق في المخلوقات ليست دعوة -معاذ الله- لعقيدة "وحدة الوجود" الباطلة التي تخلط بين الخالق والمخلوق، بل هي دعوة "التوحيد الخالص"، حيث تكون المخلوقات دلائل وعلامات وآيات تشير إلى كمال قدرة الخالق وعظيم أسمائه وصفاته، فالله بائن من خلقه، ليس كمثله شيء.

إن الإنسان في عالم الدنيا يغرق في لجج من الغفلات، ولا يصحو من هذه الغيبوبة إلا بأدوية ربانية وترياق مجرب: (القرآن الكريم، وذكر الله، وحب أهل بيت النبي).

القرآن الكريم: اتصال اللسان المحمدي والوجدان الصادق

القرآن الكريم هو الدواء الشافي لكدرات الوقت. فمن أراد أن يتخلق بالخُلق المحمدي، أو يتقرب من حضرة المصطفى، أو ينير الله بصيرته، أو يضبط لسانه بالقول السديد؛ فليلزم قراءة القرآن. فالله سبحانه يقول: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾⁽³⁾. فالقرآن هو لسان الحضرة النبوية، ومن أراد أن يتصل قلبه بقلب النبي، فليردد ما كان يردده قلب النبي ولسانه.

وما معنى أن يكون قلبك على قلب النبي؟ معناه أن ترتحل عن قلبك الهموم، وتنزاح عنه الأغيار، فلا يرى ولا يسمع إلا بنور الحقائق المحمدية والتنزلات القرآنية. فكما قيل: 'لا يسكن مع النغم الغم'؛ أي لا تجتمع أنوار التلاوة مع ظلمات الأحزان.

إن قلب النبي هو العرش الطاهر الذي تحمل تجلي هذا التنزل العظيم. قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾⁽⁴⁾. لِمَ لم ينزل القرآن على جبل الطور؟ لو نزل لدك الجبل دكاً ولم نجد له أثراً. ولِمَ لم ينزل على جبل أحد؟ لم يكن ليصمد. لا توجد قوة مادية في الكون تتحمل قول الله عز وجل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ فبالرغم مما في هذه الآية من كمال الجمال الرباني، إلا أن ما يكتنفها من جلال الكمال يهلك ويبيد ويديب الجبال الرواسي. لم يطق هذا التنزل النوراني إلا قلب سيدنا محمد. فمن أراد أن يهبه الله القوة والجلد لتحمل فتن الزمان، فليجعل قلبه متصلاً بقلب النبي عبر تلاوة القرآن.

بصمة الأرواح: كيف يميز أهل الله أصناف المؤمنين؟

يصنف الحديث النبوي الشريف أحوال الناس مع القرآن تصنيفاً دقيقاً يربط بين الباطن (الإيمان) والظاهر (العمل والتلاوة). وفي توضيح بليغ لمعنى الحديث الشريف، يبين الشيخ جابر بغدادي أثر القرآن في أرواح المؤمنين، حيث أن لكل مؤمن "بصمة عطرية" روحية يميزها أهل الله المفتوح عليهم. ألم يقل نبي الله يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾⁽⁵⁾؟ لقد كانت رائحة أنوار نبوية تُستنشق بالبصيرة لا بمجرد الأنف. وكذا كان المصطفى يتشمم السيدة فاطمة الزهراء ويقول: «هي ريحانتي من الجنة». فهي أنوار لها أذواق معينة يعرفها الصادقون.

فالمؤمن الذي يقرأ القرآن، كما أخبر الصادق المصدوق: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ»⁽⁶⁾. والأترجة ثمرة كالتفاحة أو الليمونة الكبيرة، طعمها (الذي يمثل جوهر الإيمان الداخلي) حلو، وريحها (الذي يمثل التلاوة الظاهرة) طيب. فالقرآن يعين العبد على استواء ظاهره مع باطنه.

أما «الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ؛ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ». هو مؤمن، فطعمه الداخلي حلو، لكنه فقد العطر الفواح بترك التلاوة. وقد يكون تركه للقرآن تقصيراً، أو ابتلاء، أو مانعاً خفياً سنذكره لاحقاً.

ويأتي الخطر الحقيقي في «الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُهُ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ؛ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ». ظاهره مزين بالتلاوة والمقامات الصوتية الحسنة، لكن باطنه خرب، طعمه كالحنظل مر؛ لأن القرآن هنا لم يصادف وجداناً صادقاً ولا باطناً مخلصاً.
وأخطرهم وأسوأهم حالاً: «الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ؛ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ». فساد في الباطن وقبح في الظاهر.

الموانع العقدية والنفسية عن القرآن الكريم

هنا نصل إلى لب القضية: لماذا نُحرم من قراءة القرآن؟ ولماذا تهجره القلوب؟ ليس الأمر مجرد كسل، بل هو حجب إلهي تسببت فيه أمراض باطنية، نذكر منها ثلاثة:

أولاً: البخـــل

البخيل يُحرم من القرآن، لأن القرآن "كريم لا يُعطاه بخيل". سر الله ونوره لا يُستودع في قلب حُشي بحب المال والشح. ودليل ذلك ما يرويه حَبْر الأمة عبدالله بن عباس ⁽⁷⁾ واصفاً علاقة النبي بالقرآن: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ... حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ... فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»⁽⁸⁾.
كان النبي يقابل كرم التنزل القرآني بكرم العطاء للخلق. فالقرآن يُعلم الجود، ومن بخل بماله أو بوقته، ضن عليه القرآن بأسراره.

ثانياً: الكبـــر (الداء الخفي)

الكبر مانع صلب يحول بين القلب والقرآن. وعادة ما تنصرف أذهاننا السطحية في تعريف الكبر إلى العجرفة الظاهرة فحسب، ولكن الحقيقة المرعبة التي نبه عليها سادتنا هي أن الكبر قد يبدأ من "ادعاء التواضع"!
يقول الإمام الفضيل بن عياض ⁽⁹⁾: 'مَنْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ التَّوَاضُعَ، سَقَطَ فِي الْكِبْرِ'. متى شعرت في قرارة نفسك أنك رجل متواضع، فهذه أول درجات الكبر؛ لأنك بدأت "ترى نفسك" وتلتفت إلى كمالها.

وهنا يحذرنا الله تعالى بعقوبة مرعبة: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾⁽¹⁰⁾. قد يشتكي البعض قائلاً: "أنا معمول لي سحر، كلما مسكت المصحف لم أستطع القراءة!". والرد الحقيقي: ليس سحراً ولا جناً يمنعك، بل هو حكم رباني نافذ بصرفك عن الآيات بسبب كبر خفي في قلبك.
وهنا نتدخل بضابط عقدي بالغ الأهمية: إن هذا "الصرف" الرباني ليس من باب الجبر المطلق الذي يُظلم فيه العبد (كما تعتقد الفرقة الجبرية الباطلة)، بل هو عدل إلهي ونتيجة حتمية لاختيار العبد. فبما أن العبد "اختار" التكبر على خلق الله، وتلويث قلبه بالغرور، عاقبه الله بعدله بأن صرف قلبه عن أنواره. فالله لا يظلم مثقال ذرة، بل الجزاء من جنس العمل.

داوِ هذا الكبر بالسجود، ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. ادفن نفسك أرضاً لتسمو سماءً. لا تصعر خدك للناس، ولا ترفع صوتك متعالياً. تمثل أخلاق النبوة حين كان المصطفى يقول: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ»⁽¹¹⁾. كلما تحققت بالعبودية لله، نجوت من شراك الكبر. ويقول أحد الأئمة: 'مَا جَلَسْتُ مَجْلِسًا رَفَعْتُ نَفْسِي فِيهِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، إِلَّا أَذَلَّنِي اللَّهُ فِيهِ قَبْلَ أَنْ أَقُومَ'. فإذا منعت نفسك من التواضع للخلق بغرورك، منعك الله من أن تكلمه بكلامه (القرآن).

ثالثاً: مجانبة الطهر (اقتراف المعاصي)

الشرط الثالث لنيل أسرار القرآن هو الطهارة. قال تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾⁽¹²⁾. ولا يقف المعنى العضوي هنا عند وضوء البدن (وإن كان مطلوباً)، بل يتعداه إلى المعنى الروحي. "لا يمسه" أي لا يرثه، ولا يدنو من أسراره، ولا تنكشف له معانيه، إلا من طهر باطنه من الذنوب وظاهره من المخالفات.
إن الاجتراء على محارم الله يجعل العبد محروماً من أن يكون من "المطهرين". وإذا أردت النموذج الأسمى للمطهرين الذين ورثوا القرآن دراسة ووراثة، فانظر إلى أهل بيت رسول الله الذين قال الله في حقهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾⁽¹³⁾.

مسك الختام: دعاء وتضرع

وما دمنا جميعاً طلاباً نقف على باب الله الكرم، نرجو فضله كما يرجو الخلق فضلنا، فيجب أن نصل حبال الرجاء. وقد قيل: 'مَنْ قَطَعَ رَجَاءَ مَنِ ارْتَجَاهُ، قَطَعَ اللَّهُ رَجَاءَهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ'⁽¹⁴⁾.
فاللهم إن لنا فيك عشماً ورجاءً، ولخلقك فينا عشم، فلا تقطع رجاءنا منك، حتى لا نقطع رجاء من رجانا. اللهم اغفر لنا، واسترنا، وعافنا. اللهم ارزقنا كرامة من كرائم القرآن، وألبسنا تيجان القرآن، وحلنا بحلية القرآن، واجعلنا من أهله. اللهم أجر على ألسنتنا ذكرك ونورك، ونعوذ بك من الغفلة والغافلين. نستجير بك بحبيبك المصطفى ألا تكتب علينا زلة ولا مذلة ولا غفلة، وتوفنا مسلمين يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.