Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة
العقيدة والتزكية

تجليات العقيدة السنية في الزيارة القلبية: إثبات السماع الحسي وحياة الأنبياء البرزخية

يبرز فضيلة الدكتور جابر بغدادي في هذا المقال العقائدي الرصين أسرار الزيارة القلبية لرسول الله، مؤصلاً لعقيدة أهل السنة في حياة الأنبياء البرزخية والسماع الحسي للمصطفى، في طرح يجمع بين صحة المعتقد ودفء التزكية ويرد على دعاوى الجفاء.

قسم: العقيدة والتزكية المصدر الأساسي: استنباطات من دروس فضيلة الدكتور جابر بغدادي. مقدمة المقال: إن من أُسس العقيدة الصافية ومقامات التزكية السامية في المنهج السني، أن يُدرك المسلم أن العلاقة بسيد الوجود، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليست علاقة تاريخية انقطعت بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، بل هي صلة روحية نابضة بالحياة. بيد أن بعض الأفهام القاصرة التي ارتطمت بصخور الحرفية والجفاف، حاولت بتر هذه الصلة بادعاءات واهية تتصادم مع صريح النقل وصحيح الاعتقاد. وهنا ينبري فضيلة الدكتور جابر بغدادي ليغوص في أعماق النصوص، مجلياً حقيقة "الحياة البرزخية" لسيد الأنبياء، وكيف تنعقد أسباب الوصال القلبي بين المريد الصادق ونبيه الأكرم، دون إخلال بميزان الشرع، ودون إفراط يخرج عن جادة الصواب، أو تفريط يورث قسوة القلوب. هل يعيق العجز المادي انطلاق الإرادة القلبية نحو الوصال؟ يطرح النص إشكالية واقعية تعتري الكثير من المحبين، حين يقول أحدهم بلسان حاله المنكسر: "يملأ قلبي الشوق إلي زيارة رسول الله، غير أن قلة ذات اليد تحول بيني و بين ذلك". وهنا يؤسس الشيخ لقاعدة عقدية في التزكية تنفي "العقيدة الجبرية" والتواكل المذموم؛ فالعبد مأمور بالسعي وبذل الوسع، ولكن متى ما انقطعت به الأسباب المادية بعد استنفاذ جهده (الكسب)، تجلى اللطف الإلهي بالمنح الربانية (الخلق). يستدل الشيخ بقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾⁽¹⁾. فالمجيء هنا ليس محصوراً في حركة الأبدان، بل يتسع ليشمل "المجيء القلبي". فالنية الصادقة والهمُّ بالعمل ينزلان منزلة العمل ذاته، فمن همَّ أن يأتي بصدق الإرادة فقد أتى. وهذا من كمال عدل الله ورحمته، إذ لم يكلف عباده ما لا يطيقون، بل جعل أرواحهم مركباً للوصول. إن المدينة المنورة هي "قبلة الزيارة"، ومن تعلقت روحه بها، تجلت له أنوار المصطفى أسرع من قدح الزناد. وهذا الفهم يضبط ميزان التزكية؛ فالعبد يسعى بقلبه وروحه، ولا يركن إلى العجز، محققاً بذلك كمال العبودية وصدق التوجه.

كيف تبلغ صلوات المحبين وما حقيقة السماع النبوي في البرزخ؟ وهنا ننتقل إلى مرتكز عقائدي في غاية الخطورة، وهو إثبات كمال حياة الأنبياء في قبورهم. لقد صح عن نبينا الأكرم قوله: «صلوا علي أينما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني»⁽²⁾. وقد تصدى النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه لاستبعاد العقل البشري القاصر الذي يتوهم الفناء، فلما سأله الصحابة: كيف وقد أَرَمْتَ؟ أجاب بقاطع البرهان: «إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»⁽³⁾. ويدافع الدكتور جابر بغدادي بقوة عن "السماع الحسي" في البرزخ، في رد استباقي مفحم على الذين يحصرون البلوغ في تبليغ الملائكة كسماع معنوي فقط. إن تنصيص النبي على بقاء "الجسد" هو إثبات لـ "الحياة الحسية البرزخية الأكمل". فالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو في تربته الشريفة، يسمع صلوات المحبين بأذن رأسه الشريفة "سماعاً حسياً لا معنوياً"، تحقيقاً للوصف القرآني الخالد: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾⁽⁴⁾. إن نفي السماع الحسي عن الأنبياء هو خلل عقدي يتجاهل خصوصيتهم التي أثبتتها النصوص الصحاح، والمحب السني يعتقد جازماً أن حجاب البرزخ لا يعيق إدراك المصطفى لأمته. هل ينقطع مدد النبوة ورد السلام بانتقال المصطفى للرفيق الأعلى؟ يستكمل الشيخ استنباطاته ليرسخ عقيدة استمرار الفيوضات المحمدية. فالعبادة في الإسلام مبنية على التفاعل، ولا يُعقل أن يشرع الله لنا إلقاء السلام على النبي في التشهد، ثم يكون ذلك في فراغٍ دون رد. يقرر الشيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم يرد السلام بلسانه الحسي والمعنوي، تماماً كما كان يرد في الدنيا. ولتقرير هذا المعنى ودفع الاستغراب العقلي، يعتمد الشيخ على "القياس الأصولي والوعظي" الرصين؛ مستنداً إلى ما أخرجه الإمام مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن»⁽⁵⁾. فإذا كان الجماد الأصم قد أدرك مقام النبوة وسلّم عليه وسمعه النبي، فكيف بقلوب أمة التوحيد؟ وكيف لا يكون رده ملموساً ولسانه الشريف باقياً، وهو "لسان الوحي" الذي قال الله فيه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾⁽⁶⁾؟ إن خلود هذا اللسان الشريف هو من خلود الرسالة وبقائها.

خاتمة: إن العقيدة السنية في باب المحبة ومقامات النبوة لا تعرف الجفاء المستتر خلف دعاوى حماية التوحيد الزائفة، كما لا تعرف التواكل الجبري الذي يلغي إرادة العبد وسعيه. بل هي عقيدة متوازنة تُعلي من شأن "المجيء القلبي" الصادق، وتثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حياة برزخية كاملة، يسمع فيها ويرد سلام محبيه بسماع حسي ولسان ملموس. وبذلك تتضافر أدلة الشرع مع ذوقيات التزكية، لتصنع مسلماً سليم الاعتقاد، موصول القلب، تزكيه أنوار النبوة أينما كان.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 4 دقائق