أدبُ السلوكِ في اسمِ اللهِ الحيِّ | أسرارُ اليقينِ ومداواةُ القلوبِ من سكينِ التفكيرِ في الغد
الهجرةُ الباطنة..من أطلالِ الغفلةِ إلى إشراقةِ الحضور
اعلمْ يا ولدي، ونحنُ نطوي صحيفةَ عامٍ لننشرَ صحيفةَ آخر، أنَّ القضيةَ عندَ أهلِ اللهِ وخاصتهِ ليستْ عدّاً للأيام، ولا تقليباً لصفحاتِ التقويم، بل هي "هجرةٌ سلوكيةٌ كبرى"؛ يهاجرُ فيها السالكُ من أطلالِ ماضٍ ملوَّثٍ بالغفلة، إلى إشراقةِ حاضرٍ معمورٍ بالحضورِ مع الله.
فما المعنى المكنونُ يا ولدي في أنْ ننسلخَ من سنةٍ لنستقبلَ أخرى ونحنُ نبتدئُ حياةً جديدةً بمعنًى مبتكر؟ إنَّهُ نداءُ الأدبِ مع الله؛ فتأدَّبوا يا ولدي مع سرِّ اسمِ اللهِ "الحيِّ"، فإنَّ مولاكم -جلَّ جلاله- قد منحكم بهذا الاسمِ الشريفِ فرصةً جديدةً لكي تحيوا في غدكم على مرادهِ لا على مرادِ نفوسكم.
وهنا يلتفتُ السالكُ المبتدئُ أو الغافلُ متسائلاً في دهشةٍ: وما حقيقةُ هذهِ الحياة؟ ولماذا يطلبُ المفرّطُ الرجعةَ؟ فيأتيهِ الجوابُ الصارخُ من مشهدِ أولئكَ الذين أضاعوا رأسَ مالهم (العمر)، فإذا انكشفَ الغطاءُ وعاينوا الحقيقةَ، صرخوا بلسانِ الافتقارِ والندامة: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ (سورة المؤمنون)⁽¹⁾.
يتمنَّى أحدهم لو عادَ إلى الدنيا لعلَّهُ يستشرفُ حياةَ اسمِ اللهِ "الحيِّ"، ولعلَّهُ يعيشُ في معيَّتهِ متداركاً ما أفسدهُ الهوى.
فتأتي الحقيقةُ الإلهيةُ لتقطعَ هذا التمنِّي العقيمَ بقولهِ الحقِّ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ (سورة المؤمنون)⁽¹⁾؛ إذ لسانُ التزكيةِ يقولُ له: لقد اختبرناكَ في دارِ المهلةِ، فما منحناكَ فرصةً واحدةً، بل عشتَ ستينَ سنةً في ظلالِ الإمهال، غيرَ أنَّكَ بسوءِ أدبِكَ واتباعِ هواكَ حوَّلتَ سنيَّ عمركَ البسيطةَ إلى كبيسةٍ مثقلةٍ بالأوزار، ثم انقضى أجلكَ وأنتَ في ظاهركَ حيٌّ؛ فقد ماتَ قلبكَ عن الخشوع، وماتَ لسانكَ عن الذكر، وظللتَ تموتُ في المعاني السلوكيةِ لحظةً وراءَ الثانية، حتى غدوتَ -ويا للفجيعةِ- "قبراً يَمشي في قبر"! وهذهِ يا ولدي هي عينُ "النفسِ الأمارةِ بالسوء" التي ترى الوجودَ بعينِ الطبعِ لا بعينِ الشرع.
ترياقُ الذكر..وضابطُ التلازمِ الحتميِّ بينَ الشريعةِ والحقيقة
ولكي تدركَ يا ولدي الترياقَ الذي يُخرجُكَ من مواتِ الغفلةِ إلى حياةِ القلوب، تأمَّلْ قولَ الحبيبِ ﷺ في الميزانِ النبويِّ الشريف: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ كَمَثَلِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» (صحيح البخاري)⁽²⁾.
وإذا سألتني يا ولدي: وما هو الذكرُ على الحقيقة؟ فهو كما عرَّفهُ العارفونَ، وفي طليعتهم الإمامُ أبو القاسمِ القشيريُّ (ت: ٤٦٥ هـ) (ركنُ المذهبِ والطريقة)⁽³⁾ بأنهُ: "الخروجُ من ميادينِ الغفلةِ إلى فضاءِ المشاهدة".
وهنا يا ولدي، تتجلَّى لنا القاعدةُ الذهبيةُ الحاكمةُ في منهجِ التصوفِ السنيِّ المنضبط، والتي أصَّلها سيدي الإمامُ الجنيدُ البغداديُّ (ت: ٢٩٧ هـ) (سيدُ الطائفةِ وإمامُ السالكين)⁽⁷⁾ بقوله: "مذهبنا هذا مقيَّدٌ بأصولِ الكتابِ والسنة، فكلُّ حقيقةٍ لا تشهدُ لها الشريعةُ بالصحةِ فهي زندقة".
فإياكَ يا ولدي أن يوسوسَ لكَ شيطانُ التنطعِ أو يخدعكَ مدَّعي الباطنِ، فتظنَّ أنَّ "فضاءَ المشاهدةِ" أو "الحقيقة" يعني التخفّفَ من أعباءِ التكليفِ أو إسقاطَ العباداتِ الظاهرة! حاشا لله؛ بل المشاهدةُ هي عينُ "مقامِ الإحسانِ" الواردِ في حديثِ جبريلَ عليهِ السلام، والذي فسَّرهُ النبويُّ الشريفُ بأنْ تعبدَ اللهَ كأنكَ تراه.
إنَّ الذكرَ -فرداً كانَ أو في مواجدَ وحلقٍ جماعيةٍ مشروعة- لا يُسقطُ ركعةً من صلاة، بل يزرعُ في تلكَ الركعةِ روحاً تنبضُ بالمهابة، ويُحوّلُ الأذكارَ من حروفٍ جافةٍ على اللسانِ إلى أنوارٍ تكنسُ من القلبِ أدرانَ العُجبِ والرياءِ والكبر.
فتأدَّبوا مع الحياة؛ فإنَّ الحياةَ الحقيقيةَ منحةٌ ساريةٌ من اسمِ اللهِ "الحيِّ".
تشخيصُ الداء.."سكينُ التفكيرِ في الغدِ" ومزلقُ الجبرية
وينتقلُ بنا طبيبُ القلوبِ (الشيخُ جابر) إلى تشخيصِ مرضٍ خفيٍّ يفتكُ بطمأنينةِ المعاصرين، مستمداً الدواءَ من البشارةِ المحمدية: «مَنْ بَاتَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ...مَالِكًا قُوتَ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (سنن الترمذي)⁽⁴⁾.
انظرْ يا ولدي إلى الفهمِ الذوقيِّ العالي لشيخنا في قوله: "الحمدُ للهِ لا تحتاجُ إلى أجهزةٍ طبيةٍ تضبطُ لكَ سكراً أو ضغطاً، بل و لو ابتُليتَ بمرضٍ، فأنتَ برغمِهِ معافىً في بدنك؛ لأنَّ خلايا جسدِكَ لا تُخطئُ في تسبيحِ خالقها، وتؤدِّي وظيفتها الفطريةَ في الخضوعِ للقيُّوم!".
ثم يقفُ الشيخُ عندَ الميزانِ الصارم: "مالكاً قوتَ يومه..ولم يقلْ ﷺ: 'مدَّخراً لعامِهِ المقبل'، فهل وردَ مثلُ هذا في الشرع؟ أبداً! فقد حيزتْ لهُ الدنيا بحذافيرها".
ثم يطلقُ الشيخُ صيحتهُ السلوكيةَ المدوية: " أنتَ لستَ مسؤولاً عن غدا،الذي أحياكَ قائمٌ عليه، فلا تقتلوا أنفسكم بضيقِ اليقينِ ووهنِ الدين، والإنسانُ يقتلُ نفسهُ بسكينِ التفكيرِ في الغد".
ولكنْ توقَّفْ معي هنا يا ولدي وقفةَ المحققِ البصير؛ فاحذرْ أن تفهمَ من قولِ الشيخِ (أنتَ لستَ مسؤولاً عن غدا) دعوةً إلى "العقيدةِ الجبريةِ" الفاسدة، أو أن تتخذَ من هذا التوجيهِ السلوكيِّ تكأةً للقعودِ عن الكسبِ، وتركِ التخطيطِ، وتسميةِ العجزِ والبطالةِ توكلاً! إنَّ أئمةَ الطريقِ، كالإمامِ المحققِ ابنِ عطاءِ اللهِ السكندريِّ (ت: ٧٠٩ هـ) (ترجمانِ العارفين)⁽⁸⁾، يفرّقونَ بصرامةٍ سلفيةٍ بينَ (مقامِ القلب) و(وظيفةِ الجوارح).
فوظيفةُ جوارحكَ في الشريعةِ هي السعيُ، والكدحُ، والضربُ في الأرضِ، والأخذُ بالأسبابِ تعبّداً لله، أما وظيفةُ قلبكَ في الحقيقةِ فهي السكونُ، والتفويضُ، ونزعُ الهمِّ؛ لأنكَ توقنُ أنَّ الأسبابَ لا ترزقُ بذاتها، بل الرزّاقُ يخلقُ الرزقَ عندها.
فمن عطَّلَ الأسبابَ فقد عصى الشريعة، ومن اعتمدَ عليها بقلبهِ فقد أشركَ في التوحيد! إنَّ "سكينَ التفكيرِ في الغدِ" التي يحذّركَ منها الشيخُ هي سكينُ القلقِ النفسيِّ المذمومِ الناشئِ عن سوءِ الظنِّ بالله، ومنازعتهِ في صفةِ "القيُّومية" والتدبير!
قراءةُ الحياةِ السلوكية..دورةُ الأنفاسِ وترقّي المقامات
ويأخذنا الشيخُ من أيدينا ليعلّمنا كيفَ نرى التزكيةَ تسري في أبداننا، مبيناً أسرارَ تعاقبِ الأحوالِ بقوله: "الأنفاسُ هذهِ منحُ تجلِّي اسمِ اللهِ الحيِّ، النومُ تجلِّي اسمِ اللهِ المميتِ، والاستيقاظُ تجلِّي اسمِ اللهِ الحيِّ، وما بينهما تجلِّي اسمِ اللهِ القيُّومِ؛ لأنكَ وأنتَ غارقٌ في سباتك، هناكَ من يُديرُ أجهزةَ جسدك، تحقيقاً لقولهِ تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (سورة الزمر)⁽⁵⁾".
يا ولدي، إنَّ السالكَ الصادقَ هو الذي "يقرأُ الحياةَ"؛ فما يجري عليكَ من يقظةٍ ونومٍ، وروحةٍ وغدوة، ليسَ عاداتٍ صمَّاء، بل هي منحٌ إلهيةٌ أدارها الخالقُ على جوارحكَ الترابيةِ بمنحٍ علويةٍ روحية.
وحينَ يترقَّى العبدُ بهذا الشهود، فإنهُ يخرجُ من دائرةِ "النفسِ اللوامة" التي تظلُّ تتخبطُ بينَ الذنبِ والندم، ليطأَ عتباتِ "النفسِ المطمئنة" التي تعيشُ باسمِ اللهِ "الحيِّ"، وتحيا بهِ لدرجةِ أن يرى السالكُ أثرَ ذلكَ النورِ سارياً في عافيةِ جسدهِ قبلَ أن يشهدهُ في روحه.
الوصيةُ الأبوية.."أنفاسكَ وثيقتك"
وفي الختامِ يا ولدي، يضعُ الشيخُ جابر بينَ أيدينا سرَّ الإمهالِ الربانيِّ في جملةٍ تُكتبُ بماءِ الذهب: "كلُّ يومٍ يعيشهُ الإنسانُ هو فرصةٌ جديدةٌ ممنوحةٌ من تجلياتِ اسمِ اللهِ الحيِّ..واللهُ سبحانهُ وتعالى لا يردُّ مسألةً أبداً، لكنْ لسابقِ علمهِ بأنَّهُ قد أعطانا هذهِ الفرصةَ مراتٍ لا تعدُّ ولا تحصى، تظلُّ الأنفاسُ هذهِ منحَ تجلِّي اسمِ اللهِ الحيِّ".
فيا ولدي، إنَّ مولاكَ لم يترككَ تتنفسُ صباحَ هذا اليومِ لأنكَ خالٍ من العيوب، بل لأنَّ "اسمَ اللهِ التواب" قد مدَّ لكَ حبلَ الرجاء؛ فاجعلْ من نَفَسِكَ القادمِ سجدةَ شكرٍ، ومن خفقِ قلبكَ توبةً نصوحاً، وهاجرْ إليهِ بكليَّتِك؛ تجدهُ تجاهكَ حيّاً قيُّوماً، يلقي عليكَ محبةً منهُ، ويصنعكَ على عينه.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (العام الجديد واسم الله الحي | تأملات روحانية في هجرة الأرواح وفضاء المشاهدة)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدة التوحيد في اسم الله الحي | أسرار الأجل والرزق والنجاة من وهم التدبير)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقه القلوب في اسم الله الحي | أحكام الكسب وتدبير الرزق ومشروعية الذكر)الشريعة
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (العام الجديد واسم الله الحي | تحقيق وتأصيل تراثي لدرس الشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (وحشةُ انقضاءِ العمرِ وموتِ القلب | كيفَ أُحيي روحي وأخرجُ من سجنِ الغفلةِ قبلَ فواتِ الأوان؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (سكينُ التفكيرِ في الغدِ ووهنُ اليقين | كيفَ أتخلصُ من رعبِ المستقبلِ وتدبيرِ الرزقِ في ظلِّ الأزمات؟)الأسئلة
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (غفلةُ الحواسِّ عن شهودِ النعم | كيفَ أقرأُ أثرَ أسماءِ اللهِ الحسنى في حركاتِ جسدي ونومي ويقظتي؟)الأسئلة
الشيخ جابر بغدادي
