Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة التزكية

أدبُ السُّلوكِ ومِرآةُ القلوب: من ظُلْمَةِ النَّفسِ إلى أنوارِ المـُصْطَفَى في مدرسةِ الدكتور جابر بغدادي

مقالٌ سلوكيٌّ وتربويٌّ عميقٌ يستلهمُ توجيهاتِ الدكتور جابر بغدادي في تزكيةِ النَّفسِ وعلاجِ أمراضِ القلوبِ كالكِبرِ والغفلة، كاشفاً السِّرَّ الرُّوحيَّ لبيعةِ المـُريد، ومُبيِّناً مراتبَ التَّرقِّي منَ "النَّفسِ الأمَّارةِ" إلى "المـُطمئنَّةِ" في ضوءِ الشَّريعةِ المـُطهَّرةِ ومقامِ الإحسان.

سِرُّ المـُبايعةِ: انقيادُ النَّفسِ الأمَّارةِ في رِحَابِ الحقيقةِ المـُحَمَّدِيَّة
بكَفِّ مَن بايعَ اللهُ الورى يا ولدي؟ افتحْ بصيرةَ قلبِكَ وتأمَّلْ معي هذا التَّساؤلَ السُّلوكيَّ العظيمَ الذي يطرحُهُ فضيلةُ الدكتور جابر بغدادي؛ فإنَّهُ ليسَ مجرَّدَ استفهامٍ عابرٍ، بل هوَ مِفتاحُ الولوجِ إلى مَقامِ "التَّسليمِ وانقيادِ النَّفس".
انظرْ بقلبِكَ إلى قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾⁽¹⁾؛ لقد جاءتِ الأداةُ «إِنَّمَا» لتُفيدَ الحصرَ والتوكيدَ المطلقَ، ولم يقلِ الحقُّ "كأنَّما"، فلو قالَ "كأنَّما" لفتحَ باباً للتَّشبيهِ والمجاز، ولكنَّهُ أثبتَ الحقيقةَ الذَّوقيَّةَ اليقينيَّةَ: إنَّ مبايعتَهم لرسولِ اللهِ هيَ في جوهرِها عينُ مبايعتِهم للهِ، على سبيلِ التَّوكيد.
ثمَّ خُذْ بيدي يا ولدي لنُبحرَ في النِّصفِ الثاني منَ الآيةِ الكريمة: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، وسَلْ نفسَكَ بصدقِ المـُتوجِّهين: لماذا لم يقلْ "فوقَ أيديكم"؟ أينَ يدُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الكلام؟ والجوابُ الذَّوقيُّ الذي يقطعُ عِرقَ النَّفسِ: لقد بايعَ اللهُ بها الخلقَ!
وهنا يا ولدي أضعُ لكَ "القاعدةَ الذَّهبيَّةَ" التي أصلَّها سيدي الإمامُ الجُنيدُ البغداديُّ⁽²⁾ (المتوفى سنة ٢٩٧ هـ، سيِّدُ الطَّائفةِ وإمامُ السَّالكين) حينَ قال: "كُلُّ حقيقةٍ لا تشهدُ لها الشَّريعةُ بالصِّحَّةِ فهيَ زندقة"⁽³⁾.
فإيَّاكَ ثمَّ إيَّاكَ أن تظنَّ أنَّ مَقامَ "الحقيقةِ" أو "الفَناءِ في المـَظهريَّةِ" يُسقطُ عنكَ التَّكليفَ، أو يُهوِّنُ من شأنِ العباداتِ الظَّاهرة؛ بل إنَّ غَيبَةَ يدِ النَّبيِّ في النَّصِّ القرآنيِّ وإضافتَها للهِ، هيَ قمَّةُ مَقامِ "العبوديَّةِ التَّامَّةِ" التي تلاشتْ فيها حظوظُ النَّفسِ، فصارتِ اليدُ المـُحمَّديَّةُ أداةَ الحقِّ في إبرامِ العهد.
وإنَّ بيعةَ المـُريدِ لشيخِهِ المـُربِّي في مجالسِ الذِّكرِ والتَّزكيةِ ما هيَ إلَّا إحياءٌ لروحِ هذهِ البيعةِ المـُحمَّديَّة، لترويضِ "النَّفسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ" وإدخالِها في عهدِ العبوديَّةِ الصَّادقة.
مِرآةُ التَّزكيةِ: تشخيصُ داءِ الكِبرِ ومُداواةُ العُجبِ بالانكسار
وينتقلُ السِّياقُ السُّلوكيُّ يا ولدي إلى تشخيصِ واحدٍ من أفتكَ أمراضِ القلوب، ألا وهوَ "داءُ الكِبرِ المـُقنَّعِ"، والذي يظهرُ في تلكَ الفئةِ الجافيةِ التي يقفُ أحدُهم بجمودٍ ليقولَ عن سيِّدِ الخلق: "أنا مِثلي مِثلُهُ، هوَ بشرٌ وأنا بشر!".
ويصرخُ الدكتور جابر بغدادي في وجهِ هذا الغُرورِ النَّفسيِّ بلسانِ المـُحقِّقِ المـُداوي: "أيزعمُ زاعمٌ أنَّكَ مِثلُهُ؟
قِفْ يا ولدي أمامَ "مرآةِ المـُحاسبةِ"؛ التقطْ لنفسِكَ صورةً في ميزانِ الصِّدق، وانظرْ ماذا فعلتْ بكَ الذُّنوبُ؟ وإلى أيِّ حَدٍّ أوصلَكَ الإقبالُ على هذهِ الدُّنيا؟ إنَّ هذا التَّنطُّعَ الجافَّ الذي يرمي مَقامَ التَّعظيمِ ومَحبَّةَ الصَّالحينَ بالبدعةِ، ما هوَ إلَّا حِيلةٌ من حِيَلِ النَّفسِ المـَريضةِ بالعُجب، تريدُ أن تسحبَ المـَقامَ الأسنى إلى حضيضِ نقصِها وغفلتِها.
إنَّ التَّزكيةَ العمليَّةَ تقتضي أن تكسرَ كِبرَكَ بمطالعةِ كمالِهِ ، حتَّى تترقَّى نفسُكَ من "الأمَّارةِ" إلى "النَّفسِ اللَّوَّامةِ" التي تلومُ صاحبَها على تقصيرِهِ.
انظرْ إلى سيدي الإمامِ أبي هريرةَ⁽⁴⁾ (المتوفى سنة ٥٩ هـ، راويةِ الإسلامِ وحاملِ لواءِ الأثر) وهو يصفُ تلكَ الطَّلعةَ التي صُقِلتْ بأنوارِ المـُجاهدة: «مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا الشَّمْسُ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ»⁽⁵⁾.
وافتحْ مسامعَ قلبِكَ لوصفِ سيدي الإمامِ هندِ بنِ أبي هالةَ التَّميميِّ⁽⁶⁾ (المتوفى سنة ٣٦ هـ، ربيبِ الوحيِ ووصَّافِ الحِلْية) حينَ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأَلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»⁽⁷⁾.
فكيفَ تُسوِّي نفسَكَ المـُثقلَةَ بالرِّياءِ وحُبِّ الظُّهورِ بمنْ جعلَ اللهُ مَظهرهُ مَجلىً للأنوارِ؟
مَقامُ الإحسانِ: بينَ الالتفاتِ إلى الدُّنيا والتَّوجُّهِ للمـَوْلى
ثمَّ يتنَزَّلُ المـُربِّي يا ولدي معَ المـَريضِ تنَزُّلاً لطيفاً ليعالجَ فيهِ "داءَ الرِّياءِ وحُبِّ الظُّهور"، فيقول: "اعتبرْ وجهك منوَّر و أن النَّاسُ كُلُّها تخبَّطكْ عليه.. اقرأْ معي:
"فَكَيفَ أَمْدَحُ وَجْهاً وَاجَهُ المَوْلى"
قِفْ هنا يا ولدي؛ وسَلْ نفسَكَ في خلوتِكَ: أنتَ، وجهُكَ هذا واجهَ مَن؟ لقد واجهَ الدُّنيا، وواجهَ استحسانَ الخلق، وواجهَ طلبَ المـَحمَدَةِ، أمَّا وجهُ الحبيبِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقد كانَ مَحلَّ انقشاعِ الغَين، ومِرآةَ انعكاسٍ للتَّجلِّي الإلهيِّ الأكبر!
وفي هذا المـَقامِ، يبرزُ الدِّفاعُ العلميُّ الرَّصينُ عن لغةِ أهلِ السُّلوكِ؛ حينَ يستشهدُ الشَّيخُ بقولِ سيدي الإمامِ العارفِ باللهِ عبدِ السَّلامِ بنِ مَشيشٍ⁽⁸⁾ (المتوفى سنة ٦٢٥ هـ، قُطبِ الأقطابِ وتُرجمانِ الواصلين) في صلاتِهِ المـَشيشيَّة: "وَحِجَابُكَ الأَعْظَمُ الدَّالُّ عَلَيْكَ"⁽⁹⁾.
ومَن رَمى هذا اللَّفظَ بالشِّركِ أوِ البدعةِ فقد أُوتيَ من قِبَلِ جَفوةِ طبعِهِ؛ فإنَّ "الحجابَ الأعظمَ" في لغةِ المـُحقِّقينَ هوَ "البرزخُ المـَخلوقُ" الذي يقي أبصارَ البصائرِ من صَعقِ التَّجلِّي الذَّاتيِّ، فهو "حجابٌ" لأنَّهُ عبدٌ مربوبٌ، وهو "أعظمُ دالٍّ" لأنَّ أخلاقَهُ وسيرتَهُ هيَ بابُ الوصولِ إلى الرَّبِّ.
أليسَ هذا هوَ عينُ "مَقامِ الإحسانِ" الواردِ في الصَّحيح: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»؟ فكُلُّنا في الوراءِ نلتمسُ الأثر، وسيِّدُنا النَّبيُّ في صَدْرِ المشاهدة:

"فَكَيفَ أَمْدَحُ وَجْهاً وَاجَهُ المَوْلى"
"أَنوارُهُ سَطَعَت مِنْ نُورِ باريها"
"قِف يا لِسانُ تَغَنَّى فِي شَمائِلِهِ"
"بِالعَجْزِ فِي نُورِ طَهَ وَياسِينَا"
"العُنُقُ مِنْ فِضَّةٍ إِنْ قُلْتَ أَو ذَهَبٍ"
"سَطَعَت لَوامِعُهُ تَبْدُو لَنا عَيْنُه"
"كُحلُ الشُّهودِ لَدى عَيْنَيْهِ مُزْداناً"
"بَلْ أَبْلَجُ طاهِرُ العَيْنَيْنِ ياسينا"
بَصيرةُ النَّفسِ المـُطمئنَّةِ: سِرُّ العَينِ التي رأتِ الحَقَّ
ويختمُ العالمُ الرَّبانيُّ تفريغَ هذهِ الرِّحلةِ السُّلوكيَّةِ بفتحٍ عظيمٍ ينقلُكَ فيهِ إلى رحابِ "النَّفسِ المـُطمئنَّةِ"، حينَ يطرحُ تساؤلاً يستنهضُ الهِمَم: "هذا عندما تقولُ وجهُكَ مثل وجهِهِ، هل عينُكَ مثل عينِهِ؟".
ويُجيبُكَ بكلمةٍ تختصرُ عِلمَ التَّزكية: "عينُهُ رأت ربِّنا!".
يا ولدي؛ إنَّ هذهِ الإشارةَ البليغةَ تُقرِّرُ حقيقةَ "المشاهدةِ القلبيَّةِ والعَينيَّةِ" التي نالها صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليلةَ المعراج، كما أثبتها سيدي الإمامُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ⁽¹⁰⁾ (المتوفى سنة ٦٨ هـ، حَبرُ الأُمَّةِ وعَينُ المـُفسِّرين)⁽¹¹⁾.
فإذا كانتْ عينُكَ في الدُّنيا تنظرُ إلى الفانياتِ وتتلوَّثُ بالغفلة، فإنَّ عينَهُ الشَّريفةَ قد كُحِّلتْ بـ "كُحلِ الشُّهودِ" فلم تَزِغْ ولم تطغَ.
وإنَّ غايةَ السُّلوكِ يا ولدي أن تغسلَ عينَ قلبِكَ بدموعِ التَّوبةِ، وملازمةِ الأذكارِ، ومَحبَّةِ هذا النَّبيِّ الأكرم؛ حتَّى ينكشفَ لكَ من نُورِ سُنَّتِهِ ما يُحيي مواتَ نفسِكَ، فتصيرَ عباداتُكَ المفروضةُ معراجاً لروحِكَ، وتلكَ لعمرُ الحقِّ هيَ ثمرةُ التَّصوُّفِ السُّنِّيِّ المـُصفَّى.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة ٦ دقائق