أدب المحبة ومقام التجاوز: حين يغدو القلبُ سماءً للستر
يا ولدي، تأمل في مكنونات هذه القلوب التي اصطفاها الله لمحبته، فإذا أردت أن تعرف حقيقة مقامك في "علم السلوك"، فانظر كيف تعامل من أساء إليك؟ إن سيدي الإمام الجنيد البغدادي⁽¹⁾ (ت: 297 هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين) يُعلمنا أن المحبة ليست مجرد دعوى، بل هي كمالٌ في المعاملة يغلب فيه الستر على العتاب.
لقد علمنا فضيلة الدكتور جابر بغدادي قاعدة في التربية الروحية تُنير طريق السالكين، وهي أن "المحب لا يحوج حبيبه للاعتذار"، فالحب الحقيقي يستر الزلات، والحب الحقيقي يُعلم النفس كيف تترقى من مقام (النفس الأمارة) التي تطالب بحقها، إلى (النفس اللوامة) التي تلوم صاحبها على قسوة القلب، وصولاً إلى (النفس المطمئنة) التي تتصف بصفات المحبين؛ فالله تعالى الكريم في صفاته لا يحوج من أحب إلى الاعتذار، بل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل⁽²⁾.
يا ولدي، إن من أخطاء السالكين في طريق المجاهدة أن يظنوا الدين "صلاة وصياماً" فقط، والحقيقة أن الدين هو استقامة القلب مع الرب، وأن الكريم إذا استعمل عبداً أعطاه نوره ومدده. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقد قال له الحق سبحانه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾⁽³⁾؛ فقدم العفو على المعاتبة، وهذا ما يسميه أهل التربية "لطف العتاب وأنس الخطاب".
إن بعض المتنطعين قد ينكرون هذا الفهم السلوكي، ويظنونه خروجاً عن مقتضى العدل، ولكن أين هؤلاء من فهم سيدي الإمام الغزالي⁽⁴⁾ (ت: 505 هـ، حجة الإسلام ومجدد العلوم) الذي يقرر أن الشريعة هي الطريق، والحقيقة هي الغاية، ولا وصول للغاية إلا بتهذيب النفس في مسالك الشريعة؟ فالله عز وجل في شرعه لا يجامل أحداً، ولكنه يهذب الكمال بالأكمل، وهذا عين "مقام الإحسان" الذي أخبرنا به النبي ﷺ⁽⁵⁾. فإذا بلغت يا ولدي مقام المجاهدة ولم تجد في قلبك سعة لتعذر أخاك، فاسلك طريق التواضع، "ضع خدك على التراب" وقل له: "دُس لعل الله يخرج ذلك من قلبك"، فإن من تواضع لله رفعه، ومن كسر نفسه لأجل إخوانه جبره الله بنوره.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (سِرُّ المحبة في إسقاط الكُلفة: حينما لا يُحوجُ المُحبُّ حبيبهُ للاعتذار)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدةُ الكرمِ الإلهيِّ وكمالُ المحبةِ في سِياقِ العفوِ والستر)العقيدة
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (المحب لا يحوج حبيبه للإعتذار)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (الخجل من كثرة الذنوب وفهم حقيقة العتاب الإلهي)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (مرارة الغل وعجز القلب عن مسامحة المسيئين)الأسئلة
