أسرارُ التَّزْكِيَةِ ومَعَارِجُ السُّلُوكِ في سُورَةِ الفَاتِحَة: مِن كَمَدِ الوَحْدَةِ إلى أُنْسِ التَّوْحِيد | الدكتور جابر بغدادي
في تَشْخِيصِ الدَّاءِ: غُرْبَةُ الرُّوحِ وسِجْنُ "النَّفْسِ الأَمَّارَة"
يا ولدي، أيها السائرُ في دروبِ الوحشة، المكتوي بنارِ الاغترابِ النفسيّ، يا مَن يعتصرُ قلبَكَ كمدُ الوحدةِ وتطحنُكَ رَحى الاكتئاب، فتصرخُ في غياهبِ صمتِكَ وانطوائك: "لا أحدَ في هذا الوجودِ يفهمني، ولم تعدْ في الخَلقِ أُذنٌ تسترعي انتباهَها شكواي"، حتى أوصدتَ يا ولدي عليكَ بابَ غرفتِك، واعتزلتَ الناسَ بعدما استيأستَ من إدراكِهم لِعمقِ جرحِك..أفتظنُّ يا ولدي –في ميزانِ التربيةِ الروحيةِ– أنَّ هذا الوجعَ قد وُلِدَ من فراغ؟
إنَّ هذا الضِّيقَ يا ولدي ليسَ إلّا عَرَضاً لِـمرضٍ باطنيٍّ أصابَ سِـرَّك؛ إنهُ داءُ "الغفلةِ عنِ المُسبِّبِ والتعلقِ بالأسباب".
لقد سَجَنَتْكَ "النفسُ الأمارةُ بالسوءِ" في أضيقِ زنزانةٍ عرفها الوجود؛ زنزانةِ (طلبِ العِوَضِ والمددِ من أيدي المخلوقين).
فالروحُ يا ولدي نفخةٌ عُليا، لا تستريحُ إلّا في فضاءِ اللانهائيّ، فإذا أجبرتَها على الاقتياتِ من فتاتِ استحسانِ البشر، اختنقتْ واكتأبتْ، وأورثتْكَ هذا الشعورَ القاتلَ باليُتمِ الوجوديّ.
الشَّرِيعَةُ قِنْطَرَةُ الحَقِيقَة: الصَّلَاةُ المَفْرُوضَةُ كَمِعْرَاجٍ لِلتَّزْكِيَة
وهنا يا ولدي، تتجلَّى عظمةُ المنهجِ النبويِّ في "التصوفِ السنيِّ المعتدل"؛ فنحنُ لا نبحثُ عن دواءِ أرواحِنا في طقوسٍ مستوردةٍ أو فلسفاتٍ تجريديةٍ تنأى عنِ التكليف، بل نردُّكَ مباشرةً إلى حياضِ الشريعةِ المطهَّرة، متمسِّكينَ بالقاعدةِ الذهبيةِ التي أرساها سيدي الإمامُ الجنيدُ البغداديُّ (ت: ٢٩٧ هـ، سيد الطائفة وإمام السالكين)⁽⁸⁾ حين قال: "طريقُنا هذا مقيَّدٌ بالكتابِ والسنة؛ فكلُّ حقيقةٍ لا تشهدُ لها الشريعةُ بالصحةِ فهي زندقة"⁽⁸⁾.
لذا، فإنَّ كشفَ كُربتِكَ يا ولدي يكمنُ في إحياءِ "روحِ العبادةِ المفروضة".
قُم، وانفضْ عنكَ غبارَ اليأس، وانصبْ وجهَكَ للقبلةِ معلناً أولى خطواتِ "المجاهدة" بقولِك: "اللهُ أكبر"؛ ففي هذه التكبيرةِ إعدامٌ فوريٌّ لِـكلِّ الأغيارِ التي سكنتْ قلبَك.ثم ادخلْ في رحابِ قراءةِ سورةِ الفاتحة، واقرأ ما تجلَّى في الحديثِ القدسيِّ الصحيحِ الذي أخرجَهُ الإمامُ مسلمُ بنُ الحجّاجِ (ت: ٢٦١ هـ، إمام المحدثين)⁽¹⁾: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»⁽¹⁾، فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾⁽²⁾؛ قال الحقُّ جلَّ جلالُه: «حَمِدَنِي عَبْدِي»⁽¹⁾.
تأمَّلْ يا ولدي هذا التكريم؛ إنَّ صلاتَكَ الظاهرةَ هي في باطنِها "عقدُ مناجاةٍ وتخاطبٍ مباشر" مع مَلِكِ الملوك، فكيفَ تبتئسُ وتدَّعي الوحدةَ وأنتَ جليسُ مَن ذَكَرَه؟
أَدَبُ المُنَاجَاةِ وسُنَّةُ الإِنْصَات: كَيْفَ نُدَاوِي غَفْلَةَ القَلْب؟
وإذا كانَ أهلُ الأرضِ قد صَمُّوا آذانَهم عن سماعِك يا ولدي، فتمهَّلْ في قراءتِك..تريَّثْ قليلًا بعدَ أن تنطقَ بقولِك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾⁽²⁾، التي يقررُ الإمامُ الطبريُّ (ت: ٣١٠ هـ، إمام المفسرين)⁽⁹⁾ أنها إقرارٌ بالقيوميةِ المطلقة؛ وأَرْهِفْ سمعَ قلبِك.إنَّ آفتَكَ الكبرى يا ولدي التي أورثتْكَ هذا الضِّيق، هي أنكَ اعتدتَ في غفلتِكَ أن تتكلمَ للبشرِ فلا يسمعُكَ أحد، واعتدتَ أن تتكلمَ ولا تُنصت، حتى ظننتَ في سكرةِ حزنِكَ أنَّ هذا الكونَ مالوش رَبٌّ يُدبِّرُه ويحنو عليه!
إنَّ "النفسَ الأمارةَ" تتكلمُ لِتُثبتَ وجودَها، أما "القلبُ المُنكسرُ" فيصمتُ لِيَشهدَ تجلِّيَ مولاه.
فإذا وقفتَ بين يديِ اللهِ وقلتَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فاصمتْ هنيئةً، ومارسْ "أدبَ الإنصاتِ الباطنيّ"؛ لأنَّ وراءَ هذا الصمتِ استيعاباً للجوابِ الإلهيِّ الأقدس: نحنُ نُجيبُك ونسمعُك.
عِلَاجُ "العُجْبِ" وتَطْهِيرُ السِّـرِّ مِن طَلَبِ المَحْمَدَة
أَتَخَلَّى عنكَ أهلُ الغبراءِ وانفضُّوا من حولِك؟ أَعَجَزُوا عن فهمِ مرادِك؟ هَبْهم فعلوا؛ فإنَّ لكَ رَبّاً خلقَك، وصنعَك، وأنشأكَ من عدمٍ، هو وحدهُ الذي يفهمُك.أَمَا عادَ في الخَلقِ مَن يعبأُ بدموعِك؟ اعلمْ يا ولدي أنَّ دمعتَكَ في ميزانِ التزكيةِ غاليةٌ جداً؛ فما إن تناديهِ خاشعاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾⁽³⁾، حتى يأتيكَ المددُ: "أنا أسمعُك".
وقد نبَّهَ الإمامُ فخرُ الدينِ الرازيُّ (ت: ٦٠٦ هـ، سلطان المتكلمين)⁽⁴⁾ إلى سِرٍّ سلوكيٍّ هنا؛ فقال إنَّ تقديمَ الضميرِ "إياكَ" يفيدُ "الحصرَ المطلق"؛ أي: إفرادَ اللهِ وحدهُ بالذلِّ، وإفرادَهُ وحدهُ بطلبِ العون، فمَن علَّقَ كشفَ ضُرِّهِ بـ (زيدٍ أو عمرو) فقد أشركَ في قصدِه.
انظرْ يا ولدي إلى بديعِ اللطفِ حين تقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾⁽⁵⁾، فيُباهي بكَ الحقُّ قائلاً: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»⁽¹⁾! هنا يضعُ الشيخُ جابر المبضعَ على داءٍ خفيٍّ في "النفسِ اللوامة"؛ فأنتَ تبكي وتتألمُ قائلاً: "لقد شكرتُ كلَّ الناسِ فما قدّروني، وصنعتُ الخيرَ في القاصي والداني فما شكرني أحد"؟ فيأتيكَ الدواءُ الربانيّ: اسمعْنا ونحنُ نُعلنُ في الملكوتِ: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي»، نحنُ الذين نعلمُ ما صنعتَ، ونحنُ الذين نُجازيكَ عليه.
يا ولدي، إنَّ طلبَكَ لِـ "المحمدةِ" منَ الخَلقِ هو عينُ "الرياءِ والعُجب"، فكيفَ تطلبُ الأجرَ منَ الفقيرِ وأنتَ تعاملُ الغنيَّ المطلق؟
مِن سَكْرَةِ "الِافْتِخَارِ" إلى شَفَا "الِانْتِحَار": تَشْخِيصُ الشِّـرْكِ الخَفِيّ
أَلَمْ يطرقْ سمعَ قلبِكَ يا ولدي هذا التساؤلُ الربانيُّ المهيبُ في قولهِ تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾⁽⁶⁾؟ بلى واللهِ إنهُ لكافٍ! ولكنْ، أتدري متى تسلَّلَ إليكَ هذا الضياعُ النفسي؟ في تلك اللحظةِ المشؤومةِ التي استغنيتَ فيها عنِ اللهِ بخلقِ الله، وركنتَ بقلبِكَ إلى الأسبابِ ونسيتَ مُسبِّبها؛ وهنا تتجلَّى "سُنَّةُ التأديبِ الإلهي"، التي صاغَها سيدي الإمامُ ابنُ عطاءٍ السكندريُّ (ت: ٧٠٩ هـ، قطب العارفين وطبيب النفوس)⁽⁷⁾ في حِكَمِه؛ فبمجردِ أن يركنَ قلبُكَ لغيرِ الله، يَكِلُكَ اللهُ إلى حُسنِ صِلَتِهم، ويرفعُ عنكَ كنفَ كفايتِه، ويُخلِّي بينكَ وبينهم ليُريَكَ عجزَهم، فسلّطهم عليكَ حتى آذَوْك، فانقلبتَ من نشوةِ "الافتخارِ بهم" إلى شفا جُرفِ "الانتحارِ النفسي"، وعشتَ في كمدِ الوحدة.
وتأمَّلْ يا ولدي تلك الإشارةَ البليغةَ التي التقطَها الشيخ: "إنكَ تُهلكُ نفسَكَ بوهمِ أنكَ (وحيد)، بينما أنتَ في الحقيقةِ ما خُلِقْتَ إلّا لِـ (التوحيد)!"؛ فالوحدةُ المظلمةُ هي ثمرةُ تشتُّتِ القلبِ في (الكثرةِ) والمخلوقين، أما الأُنْسُ والسكينةُ فهما ثمرةُ جمعِ الهمِّ في (الواحدِ) الأحد.
مَعْرَاجُ "الإِحْسَانِ" وفَنَاءُ الأَغْيَار: وِلَادَةُ "النَّفْسِ المُطْمَئِنَّة"
حتى إذا ما استقرتْ هذه المعاني في سِـرِّك، وترقَّيتَ في معارجِ الفاتحةِ إلى قولِك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾⁽³⁾؛ قَبِلَ الحقُّ منكَ الضعف، واستوعبَكَ بجميلِ اللطف، فتحدثُ الولادةُ الروحيةُ الكبرى: تتحولُ نفسُكَ إلى مقامِ "النفسِ المطمئنة"، وتُدَكُّ في قلبِكَ "قواعدُ الأغيار"؛ أي تتهاوى أصنامُ التعلُّقِ بالبشر.
وهنا نرفعُ لواءَ الدفاعِ العلميِّ الواثقِ عن مصطلحاتِ القوم، ضدَّ جفاءِ المتنطعينَ الذين يرمونَ التصوفَ بالبدعة؛ فمقامُ "الفناءِ عن الأغيار" الذي يصفهُ الشيخ، ليسَ إلّا التحققَ بـ "مقامِ الإحسان" الواردِ في صريحِ السنة: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، وهو غَيبةُ القلبِ عن شهودِ السِّـوَى بامتلائهِ من أنوارِ المَولى، ولا علاقةَ لهُ بخرافاتِ (الحلول والاتحاد).
وفي هذا المقامِ الشريفِ تتجلَّى بركةُ الانتظامِ في مجالسِ "الذكرِ الجماعيّ"، ومحبةِ الأولياءِ والصالحينَ بوصفِهم أدلّاءَ على الباب.
عندها يا ولدي، يعيدُ اللهُ شملَكَ المبعثر، وتتدفقُ في قلبِكَ أنهارُ الوصل، فتصدحُ بلسانِ الذوقِ الصافي بما جادَ بهِ الدكتور جابر بغدادي⁽¹⁰⁾: "دُكَّتْ قَوَاعِدُ أَغْيَارِي فَصِرْتُ فَنَاءً ...وَأَعَادَ شَمْلِي وَرَوَتْ فِي الْوَصْلِ أَنْهَارُ، دُكَّتْ قَوَاعِدُ أَغْيَارِي فَصِرْتُ فَنَاءً ...وَأَعَادَ شَمْلِي وَوَثَّقَ الْوَصْلَ أَرْكَانُ، فَارَقْتُ نَاسِي وَكَأْسِي لَمْ يَعُدْ يَكْفِي ...وَسَكِرْتُ بِالنُّورِ تِيهًا كَيْفَ أَلْقَانِي".
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (علاجُ الضِّيقِ والاكتئابِ بأسرارِ سورةِ الفاتحةِ | الدكتور جابر بغدادي)المقالات
- للتعرف على الجوانب العقائدية المذكورة في الفيديو، راجع هذا المحتوى (عقيدةُ التوحيدِ في سورةِ الفاتحة: الأسرارُ العَقَدِيَّةُ لِعلاجِ كَمَدِ الوَحْدَةِ | الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
- إليك بيان بالأحكام الشرعية التي تناولها الشيخ في هذا المقطع (فقهُ الصَّلَاةِ وأسرارُ الفاتحة: المنهجُ الفقهيُّ لِعلاجِ كَمَدِ الوَحْدَةِ والضِّيق | الدكتور جابر بغدادي)الشريعة
الشيخ جابر بغدادي
