

بقلم: الشيخ جابر بغدادي
(إحذر من لسانك) لحوم العلماء مسمومة شمها يمرض وأكلها يقتل
(إحذر من لسانك) لحوم العلماء مسمومة شمها يمرض وأكلها يقتل
"لحوم العلماء مسمومة": تحذير رباني من سوء الظن
يا ولدي، يقرر سادتنا من أهل الله والعلماء الربانيين حقيقة كبرى حين يقولون: "لحوم العلماء مسمومة، شمها يمرض وأكلها يقتل" ⁽¹⁾.
فهل تدرك ما يعنيه شَمُّها في هذا المقام؟ إن الشم هنا يتجلى في مجرد إساءة الظن بهم، وهو داء يمرض القلب، والمرض عند الأولياء والصالحين هو أعظم حجاب يقطع العبد عن ربه.
فلو أن هؤلاء السادة لم يصيبوك بأي ضرر ظاهر، لكفاك من الخسران المبين أن تُحرم من بركة محبتهم ونفحات ودادهم.
غزوة تبوك ودرس بليغ في حفظ المقامات
ويروي لنا الحبر الجليل، سيدنا عبد الله بن عمر ⁽²⁾ رضي الله عنهما، مشهداً مهيباً وقعت أحداثه ونحن في خضم غزوة تبوك.
فقد نهض رجل من وسط المجلس، وأطلق للسانه العنان قائلاً في طيش: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، يأكلون ولا يشبعون، ويتكلمون فيكذبون، وعند اللقاء يجبنون".
وما إن طرقت هذه الكلمات مسامع الحاضرين، حتى تناهت إلى علم رجل غيور من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتفض قلبه غيرةً وقال بحزم: "والله لأبلغن بما قلت رسول الله صلى الله عليه وسلم".
غضبة المختار ونزول الوحي القاطع
انطلق الصحابي الجليل مسرعاً إلى حضرة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بما جرى.
وهناك، تجلت غضبة المختار صلى الله عليه وسلم، فغضب غضباً شديداً لا هوادة فيه، وما هي إلا لحظات حتى نزل الوحي الأمين على الفور، قاطعاً دابر هذا الاستهزاء الذي ظنه صاحبه مجرد مزاح، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ⁽³⁾.
لقد نزلت هذه الآيات الزواجر لأن المزاح الثقيل والتطاول قد امتد ليمس مقام الصحابة الكرام، واقترب من جناب سادتنا أهل البيت، وطال مقامات العلماء والأولياء.
فاحذر يا ولدي من هذه المخاطر المهلكة، وإياك أن تتبع هواك في مزالق الكلام.
ويستكمل سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وصف المشهد قائلاً: "ولقد رأيت الرجل يمسك بفرس النبي صلى الله عليه وسلم"، والنبي يمضي في طريقه، بينما الرجل يتعلق به محاولاً أن يراجع الموقف ويعتذر، صائحاً: "والله كنت أنا ما قلتش ما كنتش قاصد" (أي لم أكن أقصد ولم أكن أعي ما أقول)، فيعرض عنه النبي ويكرر عليه الآية الكريمة: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، ولم يقبل منه عذراً قط.
خطورة الكلمة وحصاد الألسنة
وهنا قد يتبادر إلى ذهنك تساؤل: هل خاض هذا الرجل في ذات الله، أو آياته، أو رسوله بشكل مباشر؟ وتأتي الإجابة الواضحة: لقد عوقب لأن هؤلاء القراء ملحقون بالنبي صلى الله عليه وسلم ومحسوبون على جنابه الشريف، وملحقون بالقرآن الكريم لأنهم حملته وحراسه.
إن الكلمة يا بني طيرٌ إذا انطلق من إبرته فلا سبيل لإعادته إليها أبداً.
إن الكلمة تولد صغيرة ثم تكبر وتتعاظم حتى يعجز الإنسان عن تدارك ذنبها أو إيقاف شررها، ومصداق ذلك ما نطق به الصادق المصدوق في الحديث الشريف: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يدري لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً» ⁽⁴⁾.
مقام الصحابة وسفينة النجاة لأهل البيت
ولقد أرسى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة النجاة حين قال: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ⁽⁵⁾، وأردف موجهاً إيانا لأدب السكوت والتبجيل: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» ⁽⁶⁾.
فنحن ندين لله بمحبتهم وإجلالهم، ونترنم بما قاله سلفنا الصالح ⁽⁷⁾:
"إني أحب أبا حفص وشيعته...عمر.
كذا أحب عتيقاً صاحب الغار.
وقد رضيت علياً قدوة علماً،
ما رضيت بقتل الشيخ في الدار.
كل الصحابة ساداتي ومعتقدي،
وما عليَّ في هذا القول من عارٍ".
نعم يا ولدي، نحن نحب أهل البيت الأطهار، ونتعلم هذا الحب الصافي من صحابة رسول الله الأبرار.
نحن نقيم السنة المطهرة كما أقامها الصحابة الكرام، ونأوي مطمئنين إلى سفينة النجاة، سفينة أهل البيت.
إنه حبٌ يجمع القلوب ولا يفرقها، ويوحد الأرواح في رحاب المصطفى المختار.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (خطورة زلات اللسان والطعن في ورثة الأنبياء: رؤية عقدية للشيخ جابر بغدادي)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (خطر اللسان وحرمة مجالس الصالحين: قراءة فقهية في صون أعراض العلماء وأهل البيت)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (خطورة زلات اللسان وحرمة أولياء الرحمن: مرقاة السالكين في حفظ الأدب مع ورثة سيد المرسلين)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (إحذر من لسانك لحوم العلماء مسمومة شمها يمرض وأكلها يقتل)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (كيف أهلكتني كلمة استهزاء ظننتها مزاحاً عابراً؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (كيف يحرمني سوء الظن بالعلماء من نور القرب ومحبتهم؟)الأسئلة
