بقلم: 5
أسرار الأسماء الإلهية في المسبحات وتجلياتها على القلوب | فضيلة الدكتور جابر بغدادي
أسرار الأسماء الإلهية في المسبحات وتجلياتها على القلوب | فضيلة الدكتور جابر بغدادي
استمع لمقال: أسرار الأسماء الإلهية في المسبحات وتجلياتها على القلوب | فضيلة الدكتور جابر بغدادي
مفاتيح النور قبل منام العارفين
يا ولدي، حريٌّ بالمريد السالك والقلب المشتاق، إذا ما جنّ عليه الليل وأوى إلى فراشه، ألا يغفل عن زاد روحه ومفاتيح نوره. فلقد كان من هدي حبيبنا المصطفى، صلوات ربي وسلامه عليه، أنه إذا أوى إلى فراشه لم ينم حتى يقرأ السور المُسبِّحات⁽¹⁾. وينبغي لك يا بني في هذا المقام أن تقرأ مفاتح سورة الحديد وخواتيم سورة الحشر، فإن فيهنّ آيةً عظيمة القدر، جليلة الشأن، هي عند الله أفضل من ألف آية. أتدري ما هي يا بني؟ إنها تلك الآية الجامعة المانعة، قول الحق تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾⁽²⁾.
أنوار الأسماء الأربعة وتجلياتها
تأمل يا ولدي في بديع هذا النظم القرآني، وكيف انتظمت هذه الأسماء الجليلة: هو أولٌ، هو آخرٌ، هو ظاهرٌ، هو باطنٌ. إنها أسماءٌ أربعة جاءت في أبهى الأوزان وأكمل المعاني؛ فسبحانه ما قبله شيء، وكذا ما بعده شيء، تعالى الله ذو السلطان، ما فوقه شيء، وكذا ما دونه شيء، وذاك هو التفسير ذو البرهان الساطع.
فلو سألتك يا بني: كم اسماً لله تجلى في هذه الآية الكريمة ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؟ لوجدتها ستة أسماء، وفيها يكمن سر الاستواء الإلهي وعظمته. ومن كمال الشفقة المحمدية، أن النبي الأكرم علّم أحداً من صحابته الأطهار كيف يتنسم عبير هذه الأسماء قبل نومه، فقال له: قل وأنت على فراشك: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأوَّلُ فليسَ قَبْلَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فليسَ بَعْدَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فليسَ فَوْقَكَ شيءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فليسَ دُونَكَ شيءٌ»⁽³⁾.
أسرار الأزلية ومقام التوحيد
يا بني، من أشرق في قلبه نور اسم الله "الأول"، رأى بعين بصيرته بدائع قدرة الله في الأزلية المطلقة. فما معنى أنه "الأول"؟ معناه الأجلّ أنه ليس قبله شيء، فهو الأول بلا بداية، قَبْليَّةٌ تفرد بها جلاله ولا تحتمل البتة أن يكون لها نقطة بداية. وما معنى أنه "الآخر"؟ معناه أنه ليس بعده شيء، وآخريته سبحانه لا تحتمل أن يكون لها نهاية.
ولعلك تدرك هذا المعنى العظيم بما سطره لنا أئمة الحديث؛ فقد جاء وفد من أهل اليمن إلى رحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما روى الإمام البخاري في صحيحه، فقالوا بأدب المتعلم: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر. وما كانوا يا بني يسألون عن مجرد تاريخ الكون أو نشأة الأزمنة، بل كانوا يبحثون عن سر البدايات، فأجابهم النبي المختار بكلام يقطر بالتوحيد الخالص قائلاً: «كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شيءٌ غَيْرُهُ» وفي رواية عظيمة المبنى والمعنى: «ولَمْ يَكُنْ شيءٌ مَعَهُ»، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر المكنون كل شيء⁽⁴⁾.
عقيدة العارفين في تجلي الظاهر والباطن
ولما سُئل الإمام العارف بالله ذو النون المصري⁽⁵⁾: أتعرف التوحيد؟ أجاب بكلمتين اثنتين جمع فيهما خلاصة المعرفة، قال: "كان الله ولم يكن معه شيء، وهو الآن على ما عليه كان". فبالله عليك يا ولدي، بعد هذا البيان، كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟
فهو سبحانه "الظاهر"، وما معنى الظاهر؟ كما علمنا النبي: «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فليسَ فَوْقَكَ شيءٌ»، وقد أجمع العارفون أن الظاهر هنا هو المستعلي بوصف جلاله وكماله عن كل من دونه، وفي مقابله: «وَأَنْتَ البَاطِنُ فليسَ دُونَكَ شيءٌ».
فيا بني، كل هذا الوجود الذي تبصره بعينيك، كيف له أن يحجبنا عن ربنا وهو سبحانه الذي خلقه وأوجده من العدم؟ بل كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟ الأصل يا ولدي في كل ما تراه حولك من عوالم ومخلوقات، أنه إذا قورن بوجود الله المطلق فهو محض عدم، إنما هي مجال تجلي قدرة الله على خلق الله.
مناجاة قلبية في أنوار الحِكم
ولذلك، يصدح لسان حال العارفين⁽⁶⁾ متعجباً من غفلة الغافلين قائلاً: "فيا عجباً كيف يظهر الوجود في العدم؟ أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم؟". فالله جل جلاله هو ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
فدع قلبك يسبح في هذا المدار النوراني وتساءل مستنكراً على كل غفلة:
كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟
وكيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر بكل شيء؟
وكيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر في كل شيء؟
وكيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي ظهر لكل شيء؟
وكيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل كل شيء؟
وكيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟
وكيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء؟
وكيف يُتصور أن يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود كل شيء؟فيا عجباً يا ولدي! كيف يظهر الوجود في العدم؟ أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم؟
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (عقيدة التوحيد في الأسماء الإلهية: أسرار الأول والآخر والظاهر والباطن | الدكتور جابر بغدادي)العقيدة
