بقلم: الشيخ جابر بغدادي
أسرار الوضوء القلبي: كيف تتطهر من الذنوب وتكشف حجب الغيب | الدكتور جابر بغدادي
أسرار الوضوء القلبي: كيف تتطهر من الذنوب وتكشف حجب الغيب | الدكتور جابر بغدادي
اعلم يا ولدي أن الطهور شطر الإيمان، ففي دائرة اليقين الوادعة، تحتل الطهارة نصف المساحة، بل هي البوابة الكبرى التي يلج منها العبد إلى رحاب ربه. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بيّن لنا هذا السر المعظم قائلاً: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده»⁽¹⁾.
ولعلك تسألني يا ولدي مستفهماً: وهل تسكن الخطايا الأجساد؟ فأجيبك بيقين: أجل، إن الأثر السلبي للذنب لا بد وأن يترك ندبة مظلمة في جسدك. وتلك الأمراض العضال التي استعصت على الأطباء، وباتت بلا دواء يُعرف، إنما هي في حقيقتها أرواح تفتقر إلى توبة نصوح، وتتعطش إلى وضوء متكرر، وإقبال على الله بظاهر نقي وباطن أصفى. إنها تستصرخك لرد المظالم إلى أهلها، حتى ينظر الحق سبحانه وتعالى بعين الرحمة إلى كينونة هذا الجسد؛ هذا الجراب الطيني الممنوح لك وديعةً لتحيا به إنساناً، فيغدق عليه من رحماته، وينقذه من ويلات ما أسقيته إياه من كؤوس الغضب الإلهي.
إن الوضوء يا ولدي، كفعل ظاهري مجرد وحركات بدنية تؤدى، لا يكفي وحده لإيصالنا إلى المراد الأسمى، وهو خروج الخطايا من الجسد. إنما الوضوء الحق له آداب باطنة وسنن روحانية، أولى مراتبها ومقاماتها التوبة الصادقة. فحينما تيمم وجهك شطر الماء لتبدأ بغسل يديك، فاعلم أن المعنى الباطن لهذا الغسل هو رد المظالم؛ وكأنك تنفض يديك وتبرئهما من كل حرام لمسته أو بطشت به.
إنه يا ولدي وضوء من الريب والشكوك، وضوء من دنس الذنب، وضوء من كل عيب ظاهر وباطن، حتى تنقشع عن بصيرتك حجب الغيب. فاعلم يقيناً أن "وضوء القلب والجيب، يكشف للمريد عن وضاءة الغيب". فإن أردت أن تتوضأ وضوءاً صحيحاً متقبلاً، فطهر قلبك من الأحقاد، وطهر جيبك من السحت، واجعل هذا التطهير مقدماً على مس الماء لجسدك. طهر قلبك وجيبك، فإن "القلب والجيب هما سفراء الغيب" إلى رب الأرباب جل في علاه!
وما حُجبت قلوب الناس يا ولدي عن شهود أنوار الملكوت، وعن إدراك الأسرار العلية، إلا لأنها توضأت بماء الغفلة، وخلت من ماء المحبة. فالطهور ليس مقصوراً على غسل الأعضاء فحسب؛ بل إن نفي الشرك من القلب طهارة، وإعلان التوبة النصوح طهارة، وترك الرياء والتصنع للخلق طهارة كبرى لا غنى للسالك عنها.
فقد تقف بين يدي الله متوضئاً في الظاهر، تغسل أطرافك بماء زمزم المبارك، بيد أن جيبك ملوث بمال حرام! فهل يستقيم أن تُعد حينها من المتطهرين؟ كلا يا ولدي، بل يقال لك بلسان الحال: ارجع فتوضأ، فإنك لم تتوضأ أصلاً، وقبل أن يقال لك ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ.
كيف يصح وضوؤك وأنت تبيع نعيم الخلد الباقي بلعاعة من الدنيا زائلة، وتتجرأ على أكل أموال الناس بالباطل؟ إن وضوءاً كهذا لا يرفع حجاباً ولا ينفع صاحبه. ألم تسمع يا ولدي في الأثر عمن يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء قائلاً: يا رب، يا رب، وقد غُذي بالحرام، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، فأنى يستجاب لذلك؟⁽²⁾ كيف ترجو الإجابة وأنت تخادع نفسك؟ هل تظن أنك تخدع الخالق جل جلاله؟ إن الذي ترفع يديك طالباً فضله وعطاءه، هو ذاته الذي بارزته بالمعاصي واستوجبت غضبه. عجباً لك يا ولدي! كيف تستنجد برب، يستنجد به في ذات اللحظة كل من ظلمتهم وبغيت عليهم؟ ألا تدرك هذه الحقيقة الجلية؟
لذا، فالمقام الأول هو أن تتعلم إحسان الوضوء باطناً وظاهراً. وتأمل معي يا ولدي ما دار بين سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وبين الصحابي الجليل سيدي بلال بن رباح، حين قال له النبي مبشراً ومستفهماً: «يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة»⁽³⁾. فأجابه سيدي بلال بحياء العارفين، مبيناً أن الأمر يسير على من يسره الله عليه، يتلخص في خصلتين لا ثالث لهما: «ما أحدثت حدثاً قط إلا توضأت عنده، وما توضأت قط إلا صليت ركعتين لله»⁽⁴⁾. أبهذا العمل اليسير وصل سيدي بلال إلى هذه المنزلة الرفيعة؟ نعم يا ولدي، لقد وصل، لأنه أدرك سر الوضوء وكان حقاً يعرف كيف يتطهر.
وانظر إلى السيدة نفيسة العلم رضي الله عنها وأرضاها، حين سُئلت: ما الذي أعجبك في الإمام الشافعي؟ فأجابت بكلمة جامعة مانعة: "كان رجلاً يحسن الوضوء"⁽⁵⁾. فإذا تلقيت هذا الكلام بظاهره، قد تتعجب وتقول: سبحان الله! أكل ما لفت انتباه السيدة نفيسة في حضرة هذا الإمام العظيم هو مجرد إتقانه للغسل الظاهري؟ كلا يا ولدي، إنما كانت تقصد بعين بصيرتها وضوء القلب. لقد فتشت في طيات قلبه الشريف، فوجدته قلب رجل متوضئ، طاهر من درن الدنيا، لم يتلوث بالأغيار، ولم يلتفت إلى سوى الله.
ولما سألوا عن سر هذا الإمام وعن حاله مع الله، وما الذي كان يصنعه في خلواته، قيل في مناقبه إنه مكث أربعين سنة يصلي صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء⁽⁶⁾! الله أكبر! فكيف كان ليله إذن يا ولدي؟ لقد كان ليله مِحراباً للعاشقين، وميداناً لأهل الله، يناجي فيه ربه بقلب لم ينقض وضوءه لحظة، فبات سراجاً منيراً يُهتدى به في ظلمات الدروب.
