بقلم: الشيخ جابر بغدادي
إشراقات الروح من سيرة البتول: السيدة فاطمة الزهراء أم أبيها
إشراقات الروح من سيرة البتول: السيدة فاطمة الزهراء أم أبيها
## ميلاد النور والسبق إلى الإيمان سيدتنا ومولاتنا السيدة فاطمة، بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي المَثَلُ الأكمل في جميل الصبر وحسن اليقين.
أشرقت أنوار ميلادها، رضي الله عنها وأرضاها، قبل أن يتنزل الوحي على قلب أبيها بخمس سنوات، في وقت كان فيه عُمُرُ النبي الخاتم خمسةً وثلاثين عاماً.
وما إن تفتحت مداركها وهي ابنة الخمس سنين، حتى سارعت بقلبها النقي إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت لها الصدارة والمبادرة. ولفرط حنوها ورعايتها واحتضانها لقلب المصطفى، سُميت بحق وتكريم "أم أبيها".
## بين غفلة القلوب ومقامات العبودية تأمل يا ولدي أحوال زماننا؛ لترى رجالاً ونساءً قد اشتعل الرأس منهم شيباً، وما زالت قلوبهم أسيرة التفكير في كبائر الذنوب، يتخبطون في ظلمات النفس ولا يدرون كيف السبيل إلى التوبة النصوح. فإذا أردت النجاة، فانظر إلى حال السيدة فاطمة الزهراء، وتأمل صنيعها؛ لقد خطّت مسيرةً ممتدةً، زاخرةً بأرقى مقامات العبودية الخالصة لله جل جلاله.
## العهد النبوي وحفظ الوصال الرباني تُروى لنا في سيرتها العطرة مشاهدُ تقشعر لها أبدان المحبين خشيةً وشوقاً؛ فقد ثبت في الأثر عن الإمام الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ) (الإمام الحافظ) أنه لستة أشهر متوالية، بعد زفافها وانتقالها إلى بيت زوجها سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بنفسه الشريفة كل يوم على حجرتها، منادياً بصوته الندي الذي يوقظ الأرواح: «الصلاة خير من النوم يا أهل البيت، الصلاة الصلاة يا أهل البيت» ⁽¹⁾.
إنها مراجعةٌ نبويةٌ يوميةٌ في بيتها بعد زواجها، ورسالةٌ مبطنةٌ تحمل في طياتها عظيم الوصية؛ وكأنه يقول: إياكِ يا ابنتي أن يتغير العهد الرباني الذي بيننا، أو تتبدل الحال بعد انتقالكِ إلى بيت زوجك.
## تسبيح الزهراء وتجليات العبادة في خدمة البيت وحينما ذهبت إليه تشكو ما ألمَّ بها، قائلةً بلسان الحال والمقال: "يا رسول الله، لقد تعبت من شغل البيت وألتمس منك خادماً يعينني"، فبماذا أجابها المربي الأعظم؟ لقد رواها الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث)، مبيناً أنه لم يعطها خادماً، بل منحها كنزاً من كنوز الآخرة، وعلمها سر التسبيح ⁽²⁾. علَّمها أن تختم يومها بذكر الله كما تُختم الصلوات المفروضات؛ وكأنه يهمس في روحها قائلاً: يا ابنتي، إن وقوفكِ لعمل كنس البيت وطهي طعام العيال وغسيل الثياب، ما هو إلا صلاة موصولة، وما هو إلا عبادة مقبولة.
أتظنين يا ابنتي أن العبادة محصورة فقط في حركات يقال لكِ فيها راكعة، أو سكنات توصفين بها ساجدة، أو طواف تؤدينه بالبيت الحرام؟ أبداً! إن ميدان العبودية أوسع، وإن خدمة الأهل بنية صالحة هي من أجلِّ القربات.
## بشارة السماء وسر التسمية بالزهراء البتول وبهذا الذوق الرفيع، والمعنى الروحي العميق، تتنزل البشارة الكبرى، حيث يروي الإمام الحاكم (ت: ٤٠٥ هـ) (حافظ النيسابوريين) قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: «جاءني ملك من السماء وأخبرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» ⁽³⁾. ولم تُسمَّ السيدة فاطمة بـ "الزهراء" عبثاً، بل لأنها، ببركة سرها وتطهير الله لها، كانت لا تحيض قط، وقيل في الأثر المروي أنها لم ترَ دماً في نفاسها أبداً ⁽⁴⁾. كانت تضع مولودها وقت الظهر، وتقف طاهرةً لتؤدي صلاة العصر في وقتها. إنها الطاهرة المطهرة، البتول المنزهة عن أدناس الطبع البشري المعتاد.
## ريحانة المصطفى وعطر الجنة هذه هي الشريفة الأنيقة، الكاملة المكملة، الزهراء، أم أبيها، الريحانة، أم الحسنين، الحبيبة التي سكنت قلب المصطفى وأسرته، الزهراء، أم أبيها، ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي شأن هذه الريحانة المحمدية، ينقل لنا الإمام الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) (مسند الدنيا) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلما اشتقت إلى الجنة شممت فاطمة» ⁽⁵⁾. فرضي الله عنها وأرضاها.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (إشارات العقيدة واليقين من مسيرة البتول: السيدة فاطمة الزهراء أم أبيها)العقيدة
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (أسرار التزكية ومقامات السلوك في مسيرة البتول: السيدة فاطمة الزهراء أم أبيها)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (توثيق وتحقيق إشارات العقيدة والسلوك من سيرة السيدة فاطمة الزهراء)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (أعباء الحياة تُلهيني عن العبادة.. فكيف أجد طريق الخلوة مع الله؟)الأسئلة
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (فتور العبادة بعد الزواج.. كيف نحيي عهودنا الإيمانية القديمة؟)الأسئلة
