بقلم: الشيخ جابر بغدادي
تجليات الإسناد وأنوار النبوة: أسرار حفظ الحديث الشريف ومقامات الإخلاص
تجليات الإسناد وأنوار النبوة: أسرار حفظ الحديث الشريف ومقامات الإخلاص
يا ولدي، إن قول المصطفى -صلوات ربي وسلامه عليه- في الحديث الذي أخرجه الإمام الترمذي في سننه برقم 2656: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ بَلَّغَهَا»⁽¹⁾، يحمل في طياته تجلياً نورانياً لا يدركه إلا أرباب الحديث الشريف. ولنا أن نتساءل: ما حقيقة هذه النَّضرة؟ إنها النور الذي يغمر كيانك فترجع منيراً. وما معنى أن ترجع منيراً؟ معناه أن يُولي النكد مدبراً، ويرتحل الفقر وتتلاشى الأغيار من قلبك، لتتنزل عليك الأنوار، وتتجلى لك النَّضرة، فيستقيم حالك ويصلح شأنك كله.
وإنما كان ذلك كذلك؛ لأنك حينما ترتوي من هذا المعين فتقول: "حدثني يحيى -وهو ابن يحيى الليثي راوية الموطأ المتوفى سنة 234 هـ- عن الإمام مالك -إمام دار الهجرة المتوفى سنة 179 هـ-⁽²⁾"، فإنك تستدفع بهمة يحيى ما أودع في مالك من الأسرار العظام، لتستقر عبارات الإمام في أذنك التي لطالما امتلأت بضجيج الأغيار. حتى إذا مضى في روايته قائلاً: "حدثني يحيى عن مالك"، استدفعت بهمة مالك -وهو يروي عن الإمام نافع المدني مولى ابن عمر المتوفى سنة 117 هـ⁽³⁾- ما لا تطيق أذنك أن تحتمله إن سمعته من نافع مباشرة. حتى إذا ترقى السند وقال: "وروى نافع عن ابن عمر -الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى سنة 73 هـ-⁽⁴⁾"، استدفعت بهمة نافع عما يقصر طوقك عن سماعه من ابن عمر. حتى إذا بلغ المنتهى وقال: "وعن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال"، استدفعت بهمة هذا السند المتصل، من مالك إلى ابن عمر، ما لا تقوى على سماعه ولا على فهمه أو استيعابه من فيض أنوار قوله: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم».
إنها يا ولدي لأنوارٌ وتجلياتٌ عظمى كبرى، وأسانيدُ ثقالٌ حمل أمانتها رجالٌ صدقوا، حتى وصلت إليك صافيةً بكل سهولة ويسر. ولعل من أعظم أمثلة هذا الصدق، الإمام البخاري -وهو محمد بن إسماعيل أمير المؤمنين في الحديث المتوفى سنة 256 هـ-⁽⁵⁾؛ فقد كان يحفظ في صدره ستمائة ألف حديث، ولكنك حين تمسك بصحيحه المجرّد المعروف بصحيح البخاري، لا تجد فيه سوى سبعة آلاف ونيف من الأحاديث. لقد كان البخاري يخطّ سِفره هذا بشرطية غريبة عجيبة؛ فكان إذا أراد أن يودع حديثاً في صحيحه، اغتسل وتوضأ وصلى ركعتين لله تعالى⁽⁶⁾. هذا حينما كان يلجأ إلى ربه في الاختيار، ثم يُخضع ما وقر في قلبه على شروط صحة البخاري.
وهنا سرٌ دقيق؛ فمن بين كل تلك الأحاديث التي وعاها البخاري، كان هناك مائة ألف حديث صحيح على شرطه، غير أنه لم يصطفِ منها سوى تلك الآلاف السبعة وشيئاً يسيراً. ولنا أن نسأل: لِمَ اقتصر عليها؟ الجواب: أن المائة ألف حديث تلك قد خضعت لشروط الصحة، أما هذه الآلاف السبعة فقد أخضعها لشروط الإخلاص. ولأجل هذا السر، اختار الله كتابه للاختصاص، وخصه بلطيفة الدوام، وتجلى الله عليه بالقبول، فتداولته الأمة جيلاً بعد جيل بالقبول والرضا.
ولما طال بنا الشوق، وعز اللقاء، لم نملك إلا أن نردد ما يفيض به الوجدان قائلين: "أملياني حديث من سكن الجَزَع"، قولوا لي الحديث، "ولا تكتباه إلا بدمعين". لقد "فاتني أن أرى الديار بعيني"، فـ "لعلّي أرى الديار بسمعي"⁽⁷⁾. لقد فاتنا يا ولدي أن نعيش ذلك العصر الذهبي، فاتنا أن نحيا في عهد النبوة، والأنوار تتنزل وتتلألأ على أصحاب سيدنا ونبينا -صلى الله عليه وآله وسلم-.
