بقلم: الشيخ جابر بغدادي
حصن المعية الإلهية: أسرار اقتران اسمي الله الضار والنافع في دفع البلاء
حصن المعية الإلهية: أسرار اقتران اسمي الله الضار والنافع في دفع البلاء
كمال الأدب في ذكر أسماء الجلال والجمال اعلم يا ولدي، أن من كمال الأدب الواجب مع أسماء الله الحسنى، ألا يُذكر اسم الله ""الضار"" في مقام الإفراد قط، بل لا بد وأن يُقرن دائماً باسمه ""النافع""، حتى لكأنّ ""النافع"" صفةٌ ونعتٌ ملازمٌ لـ ""الضار"" ⁽¹⁾.
ولعلك تسألني هنا متلهفاً: ولِمَ ذاك يا سيدي؟ فأجيبك لكي تستيقن في قرارة قلبك أن هذا الكون الفسيح له ربٌّ قاهرٌ فوق عباده، وأن هذه المملكة المترامية الأطراف لها مدبرٌ حكيمٌ يدير شؤونها ويُصَرِّفُ أمورها بعلمه ومشيئته المطلقة.
سياج الحفظ الإلهي أمام كيد السحر ومكر الشياطين وضَعْ نُصْبَ عينيك، وتأمل معي في اقتران هذين الاسمين الجليلين ""الضار النافع""، ثم اقرأ بتدبرٍ قوله جل جلاله: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ⁽²⁾.
وتوقف معي هنا هنيهة؛ قوله تعالى: ""بِه""..على من تعود هذه الهاء يا ولدي؟ إنها تعود على ما ذُكر في صدر الآية الكريمة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ⁽³⁾.
فقد كان أولئك النفر قد بلغوا شأواً بعيداً في الحذق بالكفر، وتمكنوا من ألاعيب السحر تمكناً شديداً، ومع كل هذا الكيد الذي يكاد يزيل الجبال، جاء الرد الإلهي القاطع والمحكم: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
معية المُسَبِّب والنجاة من سطوة الأسباب ومن هنا، يجب أن تدرك إدراكاً يقينياً لا يخالطه شك، أن هذا السحر، وإن وُجد، وإن سرى أثره، وإن جرى في مقدرات حياتك الدنيوية، فما هو إلا محض فعلٍ لسببٍ التقى بسبب.
أما من ارتقى فكان في معية ""المُسَبِّب"" جل جلاله، فقد تحصن بحصنه المنيع، وصار محكوماً ومحفوظاً بمانع قول الحق ونافع كلامه القائل: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ⁽⁴⁾.
سر الابتلاء ومراقي الرضا في كنف النافع ولهذا السر العظيم، نؤكد مجدداً أنه لا بد من أن نقرنه بذكر اسم الله ""النافع""؛ لأنه سبحانه وتعالى في عين اللحظة التي يبتلي فيها بضُرٍّ، فإنه ينفع ويفيض بالرحمات.
فحقيقة الإلهية المنزهة تقتضي أن الله تعالى لا يضر أحداً من عباده بغرض الاعتداء عليه -حاشاه جل شأنه-، وإنما قد يأذن لسبب من الأسباب أن يضره، ليكون هذا الضر مطيةً ترقيه في مدارج العارفين ومراقي الرضا.
وكما تَرى بأم عينيك، قد يُقدِّر الله الضر على إنسان، فيأذن لفيروسٍ دقيق أن يبتليه بمرضٍ ما، فإذا بعارض هذا المرض يأخذ بيد العبد وروحه ليرتمي في رحاب مرضاة الله، مصداقاً للوعد الرباني الكريم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ⁽⁵⁾.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (حصن العقيدة: أسرار توحيد الأسماء والصفات في فهم حقيقة الضار النافع ومعية المُسَبِّب)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه القلوب والأسباب: التكييف الفقهي لاقتران الضار بالنافع وحكم التعامل مع البلاء)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات الرضا والتسليم: أسرار التزكية في اقتران الضار النافع والتحصن بمعية المُسَبِّب)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (التأصيل العلمي والأدبي لأسرار اقتران أسماء الجلال والجمال)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (الخوف من السحر وأذى الخلق: كيف أتحصن بمعية الله؟)الأسئلة
- إليك سؤالا مرتبطا بالموضوع المستنبط من هذا الفيديو (الابتلاء بالمرض والأوجاع: كيف أصل إلى مقام الرضا وأدفع عني السخط؟)الأسئلة
