بقلم: الشيخ جابر بغدادي
حقيقة المشيخة والشفقة المحمدية: أدب الشيخ مع المريد
حقيقة المشيخة والشفقة المحمدية: أدب الشيخ مع المريد
حقيقة المشيخة: شفقةٌ تتجلى لا رئاسةٌ تتعالى
اعلم يا ولدي أن سر الوراثة المحمدية، وحقيقة المشيخة في طريق القوم، ليست رياسةً تُتخذ للتعالي على الخلائق، بل هي في جوهرها شفقةٌ تتنزل على قلوب العباد. ولطالما رأينا في مسالكنا من أطال الحديث عن أدب المريد مع شيخه، وبالغ في لوم المريدين وحثهم على شديد التركيز والامتثال، حتى غدا هذا الباب كأنه حرفة لمن لا حرفة له، ومطية وحكاية لمن لا يتقن صناعة الكلام. بيد أنني اليوم، ومن هذا المقام، أردت أن أُدير بوصلة الحديث نحو شأنٍ عظيم الجلال، ألا وهو: أدب الشيخ مع مريديه.
المنهج القرآني في التخلق بأخلاق النبوة
وسأبين لك هذا الأدب السامي، مستلهماً في ذلك آية من كتاب الله، وقصة من مآثر الأنبياء. فقد ندب الحق سبحانه وتعالى الأدب كله إلى حضرة رسول الله، وجعل الأدب يتزين بحضرته البهية ﷺ. ويتجلى هذا المعنى العميق في قوله جل شأنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضِّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾⁽¹⁾.
فرغم أن رأيه ﷺ هو عين الكمال ومحض الصواب، إلا أنه لم يكن لينفرد برأي قط؛ بل نراه يوم بدرٍ الأغر، يقف بين أصحابه مناجياً ومستنهضاً، فيقول: «أشيروا علي أيها الناس»⁽²⁾. فعل ذلك صلوات الله وسلامه عليه ليُشَرِّف مقام المشورة، وليغدو قدوةً ونبراساً لكل صاحب رأي ولكل راعٍ ومسؤول عن رعية. ومن هنا نعلم يا بني أن العزم المحمدي لا يكتمل ويستوي إلا بعبور ثلاث مراتب ربانية: العفو أولاً، ثم الاستغفار ثانياً، ثم المشورة ثالثاً؛ وعند استيفاء هذه المقامات، يصح التوكل الخالص على الله.
شفقة الأنبياء: من رعاية الغنم إلى تكليم الحق
ولتدرك سر هذه الشفقة، تأمل معي حال نبي الله سيدنا موسى عليه السلام، حينما كان يرعى الغنم. يُروى أنه في خضم رعيه، شردت منه شاةٌ وولت هاربة، فما كان منه إلا أن أوقف الركب بأسره، ومضى يقتفي أثرها بقلب ملؤه الرحمة، فلما أدركها ولحق بها لم يعنفها، بل حملها على كتفه الشريف، وعاد بها تغمره الفرحة⁽³⁾. فلما تجلت للخالق جل جلاله شفقة موسى على نعاجه، اصطفاه وقربه واتخذه كليماً.
قطرات الدم الطاهر ومقام الرحمة المهداة
وتأمل حال الحبيب المصطفى ﷺ، مناجياً ربه بقلب ينبض بالرحمة والمغفرة: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»⁽⁴⁾. وانظر كيف كان يتلقف قطرات دمه الطاهر، ويلملمها بحرص شديد، خشية أن تقع منها قطرة واحدة على الأرض، قائلاً في شفقة لا نظير لها: "حتى لا يؤاخذهم الله بها"⁽⁵⁾. فيا للعجب! كيف كان ﷺ يفيض بهذه الشفقة العظيمة، حتى على من ناصبه العداء وخالفه الرأي!
الرحمة المحمدية في مواجهة النفاق الأكبر
ولنا في موقفه ﷺ مع رأس المنافقين، عبد الله بن أبي بن سلول، عبرةٌ لمن اعتبر. فقد كان هذا الرجل يضمر في قلبه الضغينة والشيء الكثير تجاه النبي الكريم، ولم يفتأ يقول دائماً في غيبته مستكبراً: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾⁽⁶⁾، وكان يقصد بـ "الأعز" نفسه المريضة. فهل رأيت يا ولدي نفاقاً يفوق هذا النفاق؟ ومع ذلك، عندما جاء ولده الصالح، عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، يرجو النبي ﷺ قائلاً: يا رسول الله، أتعشم في كرمك أن تعطيني جلبابك لأكفن فيه والدي.
رغم أنه منافقٌ معلوم النفاق، وقد تنزلت فيه آياتٌ وسورٌ من الذكر الحكيم تذم خبث باطنه وتفضح أخلاقه، إلا أن سيدنا النبي ﷺ، لم يحرمه من هذا المطلب. بل ووقف على قبره، إلى أن تنزل الأمر الإلهي القاطع: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾⁽⁷⁾.
الغيرة العمرية وسعة العطاء المحمدي
لقد أراد ﷺ أن يستغفر له، واستغفار النبي مستجاب لا محالة، فهب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قائلاً: يا رسول الله، لا تستغفر له، لا تدعو له، لا تصلي عليه. فوافق الحق سبحانه وتعالى تلك الغيرة العمرية، التي هي في جوهرها غيرة إلهية على الحضرة المحمدية، فقال عز من قائل: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
وهنا، هل تعتقد يا ولدي أن الأمر قد انتهى وخُتم؟ استمع إلى قول الحق: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾⁽⁸⁾. ليأتي الجواب المحمدي المفعم بالرحمة التي وسعت كل شيء، إذ قال النبي ﷺ: «لو أعلم أن الأكثر من سبعين ستنفعه لاستغفرت له ذلك»⁽⁹⁾. فتأمل يا بني، هذه شفقة الرسول ﷺ، وتلك هي الوراثة الحقة التي نتلمسها في مشايخنا.
