بقلم: الشيخ جابر بغدادي
في رحاب اليقين: كيف تذوق حلاوة الإيمان وتستشعر أنس القرب من الله
في رحاب اليقين: كيف تذوق حلاوة الإيمان وتستشعر أنس القرب من الله
في ظلال الرضا: كيف تستعذب طعم الإيمان؟
يا ولدي، حينما يضيقُ الأفقُ بالمرء، وتعتري نفسه غاشيةُ القلق؛ فتارةً يواجهُ لوعةَ الفقد برحيل عزيزٍ ولا يجدُ لقلبه سبيلاً إلى الصبر، وتارةً يكتوي بنار الغدر من صديقٍ خانه، أو يستشعرُ في أعماق نفسه أنَّ هذا العالم قد تضافر على اضطهاده؛ فليكن لك في هذا الشأنِ شِعارٌ تعلقهُ على مكتبِ قلبِك، وتنقشه في سويدائه، ألا وهو قول الحبيب المصطفى ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً»⁽¹⁾.
اعلم يا ولدي، أنَّ للإيمانِ طعماً يستشعره الوجدان، فإذا ما تغلغل في حناياك، أورثك ثقةً لا تزلزلها الشكوك، وفرحاً لا تعقبهُ أحزان.
فمن استقرَّ في يقينه أنَّ رزقهُ بيد الله، فكيف يليقُ به أن يحزن؟ فإذا ما ذقت هذه الحلاوة، ولامست في وجدانك حقيقتها، فإنَّ أيَّ مخاوفَ دنيويةٍ تهجمُ عليك، ستردُّها عن قلبك بآيةِ الله عز وجل: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾⁽²⁾.
سياج التسليم: من القلق إلى الطمأنينة
لكي نتعلم أدبَ السلوك مع الله، كُفَّ عن التساؤلِ المعترض: "لماذا أصابني هذا؟"، وكأنَّك تظنُّ أنَّك الفردُ الوحيد في هذا الكون الذي امتحنهُ القدر، أو كأنك تخاطبُ الأقدارَ بلسان العتاب! فتنبه لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾⁽³⁾، واعلم أنَّ كلَّ أمرٍ قضاهُ الله فهو قدرٌ مقدور.
إنَّ حلاوة الإيمان ليست مجرد لفظ، بل هي اليقينُ المطلق، والفرحةُ السارية، والشهودُ القلبي، والقربُ من الله.
هي الثقةُ التي لا تشوبها شائبة، والاستغناءُ بالله عما سواه، والتوحيدُ الذي يطهرُ القلب، والأنسُ الذي يملأُ الروح.
هي الرضا التام، والنورُ الذي نميزُ به بين الحق والباطل، وهي السعادةُ الصرفة، والطمأنينةُ الساكنة.
في دولة الحب: طريق الأولياء
الإيمان يا ولدي كلُّه حُبٌّ، وثقةٌ، وقربٌ، وشهودٌ، وسكينةٌ، وتجلٍّ، وذكرٌ، وفكرٌ، وقبولٌ، وعنايةٌ ربانية.
ومن رضي بالله رباً فقد وجد طعم هذه الحلاوة.
فهل تتوقُ أن تعيشَ في هذا النعيم؟ يقولُ العارفون بالله في وصفِ هذا المقام: "والله إنَّ لنا لحالاً مع الله لو علمتهُ ملوكُ الأرض لقاتلونا عليه بالسيوف"⁽⁴⁾.
أتريدُ أن تدرك حقيقة هذه الحلاوة؟ تدبَّر قول الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾⁽⁵⁾.
أولئك الذين عاشوا في دولة الحب المتبادل، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.
مقامات الرضا الثلاثة: كيف نصل؟
قد تسألني يا ولدي: كيف نصل إلى الرضا بالله، والرضا بالإسلام، والرضا بسيدنا رسول الله ﷺ؟
أما الرضا عن الله: فهو أن تقنع بحكمته في قضائه، وتشكر له في نعمائه، وأن تعظمه في منته، وتوحده فلا تشرك به شيئاً.
وأجلُّ مقامات الرضا أن ترضى عن أحكامه، فلا تعترض بـ "لماذا" ولا "بِمَ".
وأما الرضا بالإسلام: فبأن نبتعد عن البدع المحدثة، ونلتزم بشرع الله القويم.
وأما الرضا بسيدنا رسول الله ﷺ: فأن تقدمه إماماً لك، فيكون قدوتك في الصبر، وفي الحمد، وفي الرحمة، وفي العطاء.
اجعل سيدنا النبي ﷺ هو درسك ومدرستك، ومعلمك الذي تستقي منه أدب الحياة.
