بقلم: الشيخ جابر بغدادي
كيف تنجو من "الحرمان" في ليلة النصف من شعبان؟
كيف تنجو من "الحرمان" في ليلة النصف من شعبان؟
نداءُ الوصالِ ومحوِ الخصامِ في ليلةِ التجلي
أوصي نفسي المُقصرة، وأوصيكم يا أبناءَ الروح، بأنْ من كانَ في قلبهِ جفاءٌ لأخيهِ فليبادرْ إلى صفائهِ ومصالحتهِ، ومن قطعَ حبلَ رَحِمِهِ فليسعَ مُسرعاً إلى وصلهِ، ومن عادى أحداً من خلقِ اللهِ فليطوِ صفحةَ العداءِ بمسامحتهِ.
ومن قصرَ في حقنا وعجزَ عن طلبِ العفوِ، فإنا قد عفونا عنه ابتغاءَ مرضاةِ الله، ومن ضاقَ صدرهُ عن مسامحتنا، فإننا قد سامحناهُ، ومن بخلَ بتقديمِ الخيرِ لنا، فإننا -بمشيئةِ اللهِ وعونهِ- سنسدي إليهِ الخيرَ صنيعاً.
فقد وردَ في الأثرِ الصحيحِ عن الصحابي الجليلِ مُعاذِ بنِ جبل (ت: ١٨ هـ) (إمامُ العُلماءِ يومَ القيامة) عن سيدنا رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» ⁽¹⁾.
موانعُ المغفرةِ وعُقدةُ الإصرارِ
وليتَ الأرواحَ التي استوطنها الخصامُ، والقلوبَ التي تفرقت، تتذوقُ هذا المعنى الرفيعَ من الأدبِ مع الله.
فعلينا أن نحذرَ أشدَّ الحذرِ من موانعِ المغفرةِ، وفي طليعتها الشركُ والشحناءُ.
ولا تظنوا يا ولدي أن الشحناءَ تقفُ عندَ حدودِ الخصومةِ بينَ البشرِ فحسب، بل إنها تتدرجُ في مراتبَ عدة، أشدها خطراً أن يكونَ العبدُ مُصراً على كبيرةٍ من الكبائر؛ لأن الخصومةَ حينها تكونُ بينكَ وبينَ ربكَ الجليل جلَّ جلاله.
فمن أبشعِ صورِ الشحناءِ: هجرانُ الصلاةِ، والاجتراءُ السافرُ على معاصي اللهِ، واستخدامُ ما وهبكَ اللهُ من نِعَمٍ لتكونَ سلاحاً تعصيهِ به.لذا، كان لزاماً عليكَ -قبلَ أن تُشرقَ شمسُ ليلةِ النصفِ من شعبان- أن تحُلَّ عُقدةَ الإصرارِ على الذنب، فالمؤمنُ الحقُّ لا يصرُّ على خطيئتهِ، ولا يستكبرُ عن العودةِ لربهِ.
كيفَ نستعدُ لنظرةِ الرضا؟
وقد يسألني سائلكم بلسانِ الحال: "وماذا نصنعُ للنجاةِ يا مُعلمي؟"، فأقولُ لكَ يا ولدي: تُب إلى مولاك، وأكثِر من الاستغفارِ والتوبةِ، وهيِّئ روحكَ لاطلاعِ الخالقِ على صحائفِ أعمالك.
فهل نحنُ مستعدون حقاً لأن ينظرَ اللهُ في صحائفنا؟ إن هذا الاطلاعَ الإلهي، كما تعلمون، ليس لمعرفةِ ما نجهل، فاللهُ سبحانه مُحيطٌ بأعمالنا ومُحصيها عدداً، بل هو اطلاعُ رحمةٍ ومغفرةٍ وعفو.
إنه ينظرُ إلينا لعلَّ عاصياً يكسرُ قيدَ معصيتهِ ويعود، ولعلَّ غشاشاً في ميزانهِ يستيقظُ ضميرهُ فيقولُ لنفسهِ: "كفى تمادياً في الحرام"، ولعلَّ رجلاً اغتصبَ ميراثَ أخواتهِ يرتدعُ ويقول: "كفى ظلماً لعبادِ الله"، ولعلَّ قاطعاً لرحمهِ تلينُ قناتهُ فيمضي لزيارةِ أهلهِ، ولعلَّ مُفسداً في الأرضِ يعودُ إلى رشدهِ ويتوب.
الخطوةُ الأولى وأسرارُ الجذبِ الإلهي
وكيفَ السبيلُ إلى هذا الاستعداد؟ إن الأمرَ يسيرٌ جداً، فلتُحاولْ ونحنُ سنمدُّ لكَ يدَ العونِ بالدعاءِ والتوجيه؛ فقد جاءَ في الحديثِ القدسيِّ الجليل عن أبي هريرة (ت: ٥٩ هـ) (راويةُ الإسلام): «...وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا...» ⁽²⁾.
وأتدري يا ولدي ما هو هذا الشبر؟ قد يكونُ نيةً صادقةً تعقدُها في قلبك، أو صدقةً تُخرجها سراً.
فإذا تقربتَ، أعانكَ اللهُ على نفسكَ الأمارةِ بالسوء، ويسرَ لكَ أمرك، وكشفَ عن بصيرتكَ حُجُبَ الغفلة.
حتى ذلك الذنبُ الذي أدمنتهُ وكنتَ تظنُّ نفسكَ ضعيفاً أمامه، ستجدُ فجأةً قوةً ربانيةً تنبعثُ في أرجاءِ روحك، فتنتفضُ قائلاً: "الحمدُ للهِ، تُبتُ إلى الله"، وتجدُ قدميكَ تسوقانكَ طوعاً إلى رحابِ المسجد.
كلُّ ما عليكَ هو أن تُجهزَ نفسكَ، أن تخطوَ خطوةً واحدة، أن تعقدَ العزمَ على التوبة، وحينها سيأتيكَ المددُ الإلهي.
وما سرُّ ذلك؟ لأن من عظيمِ تجلياتِ الحقِّ سبحانه، ومن بديعِ قدرتهِ على خلقه، ما أخبرنا بهِ في مُحكمِ التنزيل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ⁽³⁾، وهذا هو عينُ الرشادِ الإلهي.
فاللهمَّ حبِّب إلينا الإيمان، واستنقذ من قلوبنا ما جنيناهُ من مرارةِ حُبِّ العصيان.
مِن "أرِحنا منها" إلى «أرِحنا بها»..وتهاوي أصنامِ الغرورِ
إن الإنسانَ قد يعتادُ على ذنبٍ ويهواهُ فلا يقوى على تركه، ثم فجأةً تنقلبُ أحوالهُ، فلا يطيقُ حتى رائحةَ هذا الذنب! فما الذي حدث؟ إن من عيوبِ النفسِ أن ينسبَ المرءُ الفضلَ لنفسهِ قائلاً: "لقد كانت لديَّ عزيمةٌ قوية!"، لا يا ولدي، بل لأن لكَ رباً رحيماً! لعلها عنايةٌ إلهيةٌ صادفتكَ في طريقك، أو لعلَّكَ مررتَ بموطنٍ تتنزلُ فيهِ الرحمات، فرُحِمتَ بفضلها، وعُوفيتَ ببركتها؛ فاشكرِ اللهَ على هذه النعمة.
إن الإيمانَ إذا أزهرَ وازدانَ في قلبك، تغيَّرَ حالك؛ فتلك الركعتان اللتان كنتَ تُصليهما لتفرَّ من اللهِ ومن أداءِ الواجب، أصبحتَ الآن تُصليهما لتفرَّ إلى اللهِ شوقاً ومحبة.
والركعتان اللتان كنتَ تؤديهما بلسانِ حالٍ يقول: "أرِحنا منها يا بلال"، أصبحتَ الآن تقفُ فيهما مناجياً بلسانِ المُحب، كما كان يقولُ نبينا ﷺ لمؤذنهِ بِلالِ بنِ رَبَاح (ت: ٢٠ هـ) (مؤذنُ الرسولِ وصاحبُ الصوتِ النديّ): «يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا» ⁽⁴⁾.
لقد حدثَ هذا التحولُ لأن الإيمانَ استقرَّ في وجدانك، ولأن اللهَ بوجههِ الكريمِ قد أقبلَ عليك.
فلنعدْ إلى ذلك "الشبرِ" الأول..تُرى ما الذي يجعلنا نعيشُ في دوامةِ الشجارِ داخلَ بيوتنا؟ ولماذا تمتلئُ ساحاتُ المحاكمِ بنزاعاتٍ لا تنتهي بينَ الأخِ وأخيه، والزوجِ وزوجته؟ وما الذي صدَّعَ جدرانَ البيوتِ ومحا آثارَ الجيرةِ الطيبةِ من حياتنا؟ لم يحدثْ ذلك كلهُ إلا عندما طغت علينا النفوسُ المريضة، وتعاظمتْ فينا محنةُ الغرورِ والكبرياء.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مبادئ العقيدة في هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (أسرار العقيدة في ليلة النصف من شعبان: بين سعة العلم الإلهي وتوحيد الأفعال)العقيدة
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (فقه المظالم وتصحيح العبادات: كيف تنجو من "الحرمان" في ليلة النصف من شعبان؟)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (مقامات السلوك في ليلة النصف من شعبان: من دواء "الشحناء" إلى جنة "أرحنا بها")التزكية والتصوف
