أربع دعوات تعينك على غفلتك فاحرص عليها
أربع دعوات تعينك على غفلتك فاحرص عليها
اعلم يا ولدي أن الإعراض عن الله تعالى ليس مجرد ذنب تقترفه الجوارح العابرة، بل هو في حقيقته الباطنة عقوبة قاسية حلت بك جراء ذنب سابق؛ فمتى رأيت من نفسك إعراضاً، فاعلم يقيناً أنك تُعاقب. ومن هنا، كان من أسرار دعاء العارفين والصالحين تضرعهم المستمر: "اللهم لا تُنسنا ذكرك"⁽¹⁾. وتأمل يا ولدي السر الخفي في ذلك؛ فإن الله جل جلاله إذا أراد أن يعاقب عبداً، أغفل قلبه عن ذكره، وحجبه عن أنوار قربه. ثم انظر يا ولدي إلى الضراعة الثانية: "ولا تولنا غيرك"⁽²⁾. فاحذر واخشَ أن يكلك الله سبحانه وتعالى إلى غيره، فمن وكله الله إلى سواه فقد أذله وأسلمه لرياح الضياع. أما أهل الله وخاصته، فشأنهم مختلف تماماً في كنف رعايته. تدبر قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾⁽³⁾. هل أدركت يا ولدي كيف يتولى الله عباده؟ إنه يخرجهم من ظلمات التعدد والتشتت إلى نور الوحدة، ومن ظلمات التعلق بالأغيار إلى نور النور المطلق، إلى حضرته جل جلاله. ولهذا نعود لنلهج بالدعاء راجين ألا ينسينا ذكره. واعلم يا ولدي أن العزة كلها مستقرة في طاعة الله، فهل تُرتجى عزة بعد طاعته؟ لقد حسم الحق الأمر بقوله: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾⁽⁴⁾. فيا أيها الباحث عن العزة في غير مواطن رضا الله، أين تظن أنك واجدها؟ إنها في يده وحده جل وعلا. تخيل يا ولدي عظمة هذه الحيازة الإلهية المطلقة، فهل يملك أحد من دونه مثقال ذرة منها؟ وهل تستطيع أن تذهب يمنة أو يسرة لتقتبس منها ولو فرعاً يسيراً؟ أبداً، فالعزة كلها بقبضة الله. قف يا ولدي بباب المناجاة، وردد بقلبك الخاضع في ملكه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ﴾⁽⁵⁾. فقل في مناجاتك: إلهي، أنا مُلكٌ من أملاكك، وأنت مالك مُلكي، فملّكني روحي، وملّك روحي على جميع عوالمي حتى لا أرى في الوجود سواك. إلهي، إنك تؤتي الملك من تشاء، فهَب هذا الملك لروحي حتى لا تستعبدني نفسي ولا تتحكم فيّ. ثم تابع يا ولدي ضراعتك متوسلاً: ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾؛ فانزعه يا رب من سطوة نفسي، ورده إلى قيادة روحي، إنك تُعز من تشاء بنور الولاية والهداية، وتُذل من تشاء بظلام العوج والغواية، ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ألست توقن يا ولدي بقدرته المطلقة على أن يفعل بك ذلك؟ بلى، فالله أكبر من كل ما سواه. وتأمل يا ولدي كيف يبدد نور الله ليل الظُلم؛ تلك الظلمات النفسية، والشهوات الإنسانية، والحُجب الأرضية، يولج الله فيها نهار التجليات. وهو القائل: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾⁽⁶⁾. وما هو الميت فيك يا ولدي؟ إنه نفسك الغافلة، وقلبك القاسي؛ فيخرج منها الحياة، ألا وهي روحك الموصولة به. ويخرج الميت من الحي، فينزع نفسك من سلطان عقلك المادي، ليجعل السلطان والكلمة العليا لروحك. ولذا يقول الإمام العارف بالله سيدي أبو الحسن الشاذلي (ت: 656 هـ) (قطب الطريقة الشاذلية) ⁽⁷⁾، في درره المأثورة: "اللهم اجعلني مسخراً من نفسي، ومذكراً من عقلي، ومهيمناً من روحي، كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً". فيا سائراً في حي حبه، ويا قاصداً حماه؛ استقم يا ولدي، واحذر سهام التلفت. لا تلتفت لمن ينادي عليك ليصرفك عن مسارك، ولا تلقِ بالاً للناس، فالتعلق بالناس إفلاس. لا تلتفت لمن يشتمك ليغضبك، ولا لمن يحبك ليغرك، ولا لمن يكرهك، ولا لمن أعطاك أو منعك، ولا تنشغل بالبلوى ولا بالحلوى، بل كن عبداً ربانياً خالصاً لله. يا سائراً في حي حبه وقاصداً حماه، استقم؛ أحكم سفينتك فإن البحر عميق، واستكثر من الزاد فإن السفر طويل، وخفف الحمل فإن العقبة كؤود ⁽⁸⁾. ثم اختم دعواتك الأربع يا ولدي قائلاً: "ولا تولنا غيرك، ولا تؤمنا مكرك"، وبعدها: "ولا تكشف عنا سترك"⁽⁹⁾. نعم يا ولدي، تمسك بستر الله، فما نحن إلا مجرد أستار أسدلها الله علينا بلطفه، ولولا ستره لافتضحنا.
