بقلم: الشيخ جابر بغدادي
ثلاثة مفاتيح متى حزتها أصبحت أغنى أهل الدنيا
ثلاثة مفاتيح متى حزتها أصبحت أغنى أهل الدنيا
قال النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»⁽¹⁾ إنها عطاءات الدنيا الثلاثة التي يمنحها الخالق للإنسان: الأمان، والقوت، والعافية. تأمل يا ولدي كيف أن الحبيب المصطفى ﷺ في قوله: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»⁽¹⁾ لم يقل "صحيحاً"، فانتبه بقلبك، فهو لم يقصد مجرد الصحة البدنية، فقد تكون هذه الصحة وبالاً وحجة عليك. إنما القصد الأسمى في قوله «مُعَافًى فِي جَسَدِهِ» أي أن جوارحك محفوظة عن معصية مولاك. ليس الأمر منوطاً بقوة العضلات واستعراض البأس، ولا بأن تبطش بغيرك وتطرحهم أرضاً بقوتك مستعرضاً "ثلاثة أو أربعة تحت ذراعك". كلا يا ولدي، بل حقيقة العافية أن تمر على يدك أربع وعشرون ساعة فلا تمتد إلى حرام قط، وأن تنقضي على عينك أربع وعشرون ساعة فلا ترمق حراماً أبداً. إنها ثلاث خصال وصفها لنا الحبيب ﷺ لتهون علينا مشاق الدنيا، وليبث في روعك الطمأنينة بأنك متى حزتها كنت أغنى أغنياء الأرض، وهي: الأمان، والكفاية من القوت، والعافية. ودعني أقف بك يا ولدي متأملاً في سر العافية. فالعافية ليست مجرد القوة البدنية، فلو أراد ذلك لقال "قوياً في بدنه"، ولو رام الصحة الظاهرة لقال "صحيحاً في بدنه". ولكن نبينا ﷺ دقيق مبين في انتقاء درر ألفاظه، يوحى إليه من ربه، فاختار لفظ "العافية". ومعناها جلي؛ أن ينهض العبد في الصباح من صلاة الفجر، ويمضي يومه حتى يأوي إلى فراشه بعد أن يقيم ليله، وهو يحمد الله أن قدميه لم تسعيا في طريق يغضب ربه، وأن يديه لم تمتد لتسلب حق غيره. أما من استعرض عضلاته، وتجبر وافترى على ثلاثة أو أربعة من أفقر خلق الله، فاعلم يا ولدي أنه -وإن ملك الدنيا بأسرها- هو أفقر وأحقر خلق الله عند الله. لأنه بقدر ما يسهل ويهون عليك أمر الله، يهون قدرك ووزنك عنده سبحانه، ولا يكون لك أي اعتبار في الملأ الأعلى أبداً. ولماذا؟ لأنك لم تعظم شعائر الله وأوامره⁽²⁾. لذا قال ﷺ: «مُعَافًى فِي جَسَدِهِ»، وهذه مسألة عظيمة الشأن، فلنسأل الله دائماً العافية في الأبدان. وكثيراً ما يتبادر إلى الأذهان عند ذكر العافية في البدن أنها مجرد القوة. يخيل إلينا جميعاً أن العافية تعني أن تتحرك أيدينا دون وهن، وألا نضطر لزيارة الطبيب، نظنها مجرد الغنى عن التداوي. ولكن السر المخزون، يا ولدي، هو أن العافية في البدن تعني أن أحفظ جوارحي كلها للحبيبﷻ. فالحمد لله الذي أمننا، فلا باب يُكسر علينا عنوة، ولا نحن مطاردون في الأرض، ولا ثأر يلاحقنا. فها هو العبد في حياته، في بيته، في ولده، في سيره إلى مولاه، تجده آمناً في سربه. والسرب يختلف بحسب حال العبد؛ فسربك هو بيتك وعيالك، وسرب السائر إلى الله هو طريقه الآمن، فأن تجد السبيل ممهداً من بيتك إلى المسجد، فهذا هو السرب العظيم ، وأن ييسر لك الطريق من بيتك إلى مجلس شيخك، وأن تقوى على نفسك لترابط في مجالس العلم. أما قوله: «عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ»، فإن سيدنا رسول الله ﷺ يعلمنا من خلالها كمال اليقين وكمال الغنى في هذه الدار. أن تفتح خزانتك فتجد فيها ما يكفيك من طعام لك ولأولادك ليومك هذا، حتى وإن كانت مجرد وجبة الإفطار، فلا تقلق بشأن شَبْعَةِ غد، فلكل غد رزق مقسوم. من حاز هذه الثلاث: الأمان، والكفاية، والعافية، كما رتبها وسماها الحديث الشريف، فقد حيزت له الدنيا. فاللهم أسرع بنا إلى مواطن عفوك ورحمتك، ولا تحرمنا نعمة العافية. اللهم كل قوت رزقتنا إياه فاجعله زاداً نقتات به لنقوى على طاعتك، اللهم واستعملنا به فيما يرضيك واعصمنا عن غيرها، ولا تسلبنا نعمك، فأنت الله الكريم الذي لا تتغير عوائده الجميلة. اللهم مهما اقترفت أيدينا من الزلل، فلا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا. أنا المذنب.. أنا المجرم.. أنا العاصي.. وهو الغافر.. وهو الراحم.. وهو الكافي. ثلاثة واجهتها بثلاثة، ولتغلبن حتماً أوصافه سبحانه أوصافي⁽³⁾!
