أسرار العقيدة في مدرسة الصيام: التحرر من رق الأشياء لشهود فضل الديان
اعلم يا ولدي أن شهر رمضان في ميزان العقيدة السليمة ليس محض شهرٍ للجوع أو ظمأ، بل هو في أصل تشريعه شهرٌ للرجوع والأوبة إلى الله جل جلاله، وتجديدٍ لعهد التوحيد الخالص في قلب المؤمن. وحريٌّ بنا في ظلال هذه الأيام المباركة أن نتعلم كيف نؤوب إلى خالقنا؛ فإن الصيام، في جوهره العقدي، هو "حريةٌ من المباح"، إمساكٌ عن الحلال الطيب امتثالاً لأمر الله، فواعجباً لمن أُعتق من أسر المباحات كيف يقف مكبلاً عاجزاً عن التحرر من دنس المحرمات؟ إن الصيام يا بني رياضةٌ ربانية، وترويضٌ لخيل النفس الجامحة حتى تستوي على مقام "المراقبة"؛ وهو من أعلى مقامات الإحسان في عقيدتنا. إن الصيام يبعث الحياة في الضمير الإنساني الذي مات؛ وتأمل معي آفة الغش في الموازين، حين تهمس النفس الأمارة بالسوء في أذن صاحبها متسائلة في غفلة الجهل: "أثمة من يراك؟ فطفف الكيل واغشس كما تشتهي"، هاهنا ينتفض الضمير المؤمن الحي، الموقن بعقيدة رؤية الله وإحاطته، ليصدح بالحق: "معاذ الله، إننا صائمون". وهذا اليقين هو التفسير الأجلى للحديث القدسي العظيم المروي (في صحيح البخاري)⁽¹⁾: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به»؛ ذلك لأن الصيام عبادةٌ جوفية، وسرٌّ مصون بين العبد وربه، يتسامى عن كل شائبةٍ للرياء الذي هو الشرك الأصغر المحبط للأعمال. وما المراقبة يا ولدي إلا أن تُرد للضمير روحه ونبضه. أن تقف شامخاً بعقيدتك هاتفاً: "أنا صائم، فإذن أنا حر". إن الصيام مدرسةٌ تلقننا أبجدية التحرر من رق الأشياء؛ لترتقي في معارج "توحيد العبودية" لله وحده. يربيك الصوم ألا تكون عبداً لشهوة، ولا عبداً لمال، ولا عبداً لدرهم؛ إذ أنك لن تبلغ ذروة العبودية الخالصة للحق سبحانه، حتى تغدو حراً طليقاً من كل ما سواه. وهنا نقف أمام سرٍّ عقدي عظيم خفي على الكثيرين؛ قد يعنّ لك أن تتساءل في دهشة المحب عن السر المكنون في قوله تعالى: «وأنا أجزي به». اعلم يا بني أن الحق تبارك وتعالى لم يجعل للصيام حداً معلوماً من الحسنات كبقية الطاعات، فأنت حين تصوم، يغيب عنك مقدار ثواب يومك في ميزان الله. لقد طوى الله علم هذا الأجر حتى عن الملائكة الكرام الموكلين بالكتابة، وأصدر إليهم أمره الجليل: "اكتبوا أنه صام، وأنا وحدي من يتولى جزاءه". وهنا وجب التحذير والبيان، واتخاذ التدابير العقدية الاحترازية حتى لا تزل قدمٌ بعد ثبوتها؛ فإياك يا ولدي أن تفهم من هذا العطاء الواسع، وإخفاء الأجر، والاعتماد على فضل الله، دعوةً للركون وترك العمل، أو أن تتسرب إلى قلبك "العقيدة الجبرية" الفاسدة التي تسلب العبد إرادته وتلغي قيمة سعيه، وتجعله كالريشة في مهب الريح بلا تكليف. حاشا لله! بل الفقه العقدي السليم المستنبط من هدي المصطفى ﷺ، والذي أرساه سادتنا كالإمام تاج الدين بن عطاء الله السكندري (ت: ٧٠٩ هـ) (قطب العارفين وترجمان الواصلين)⁽²⁾، يؤكد أن العبد مأمورٌ بالعمل ومطالبٌ ببذل الجهد، غير أنه لا يعتمد على عمله القاصر، ولا يرى النجاة في طاعته المجردة، بل يعلق قلبه بفضل ربه ومولاه. أنت تعمل وتجتهد بالصيام، ولكنك توقن أن العمل هو محض سبب، وأن المنجي والمعطي هو رب الأسباب. فيا لروعة المنحة! تخيل يا بني حين يكون الديان جل جلاله هو من يوفي لك المكيال، ويُرجّح لك الميزان، ويغمرك بالإحسان في اللحظة التي أتقنت فيها عبادته واستشعرت وجوده؛ فإنه بلا ريب سيحسن إليك على قدر جوده المطلق. لن يتجلى عليك بمقدار عملك الضعيف المحدود، بل سيفيض عليك على قدر عظمته، وسعة كرمه، وجزالة عطيته التي تقف العقول دونها حيرى. وقد ألمح الأئمة الأعلام، ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) (حجة الإسلام ومجدد علوم الدين)⁽³⁾، إلى أن الصوم نفحةٌ من نفحات الصبر، بل هو عين الصبر. وقد وعد الله أهل الصبر بدخول الجنان، ولكن بأي ميزان؟ بميزان الوفاء الرباني الذي نطق به التنزيل الحكيم (في سورة الزمر)⁽⁴⁾: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ فالمكاييل والموازين تتلاشى في حضرة الصيام وتسقط أرقامها. وتأمل معي الدقة البلاغية والعقدية؛ فالحق سبحانه لم يقل "يُعطى"، بل اختار لفظ ﴿يُوَفَّى﴾. والوفاء هنا يومئ إلى أن الله سيهبك ما تستحقه وعداً منه، ويفيض عليك بأضعاف ما ترتجي فضلاً منه. ولماذا بغير حساب يا ولدي؟ لأنك حين صمت رمضان، طرقت بابك البشرى المحمدية النورانية (في صحيح البخاري)⁽⁵⁾: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنب». فهل حددت لك الشريعة الغراء آنذاك كم حسنة ستجني؟ كلا، بل ساقت إليك البشارة الكبرى؛ بأن ما سلف من الخطايا والزلات سيموت ويُمحى تماماً في ظلال هذا الصيام المبارك، وهذا هو قمة الفضل الإلهي الذي لا يحده رقم ولا يحيط به وصف.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كيف تبدأ صفحة جديدة مع الله في شهر رمضان؟)المقالات
- للمزيد من التفصيل في الجانب الشرعي لهذا الموضوع، تفضل بالقراءة (كيف تبدأ صفحة جديدة مع الله في شهر رمضان؟)الشريعة
- إليك إرشادات في التزكية والتصوف الحق مرتبطة بهذا الفيديو (أسرار التزكية في مدرسة الصيام: معراج الروح من رق الأشياء إلى مقام المراقبة)التزكية والتصوف
- يمكنك مراجعة التوثيق العلمي لهذا الفيديو من خلال موسوعة التوثيق العلمي الشاملة للمحاضرات (توثيق وتحقيق معاني الصيام والتحرر في مدرسة التصوف السني)التوثيق العلمي
- قد يجيب هذا السؤال عن جانب عملي ورد في الفيديو نفسه (أعاني يا سيدي من قسوة في قلبي وغفلة تجعلني أسيراً لشهواتي وعاداتي. يأتي علي رمضان تلو الآخر، وأجدني أمتنع عن الطعام والشراب، لكن سرعان ما أعود لضعفي وخضوعي لحطام الدنيا ومغرياتها. أسمع أن الصيام يغير النفوس ويحررها، لكني لا أرى هذا التغيير في واقعي، وأتعجب حين يقال إن الصيام ليس له قدر معلوم من الحسنات كباقي العبادات. فكيف يكون هذا الامتناع الظاهري عن المباح طريقاً للتحرر من الحرام؟ وكيف أفهم السر في أن الله أخفى أجر الصيام ولم يحدده بعدد؟)الأسئلة
وقت القراءة 7 دقائق
