Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

إشارات العقيدة واليقين من مسيرة البتول: السيدة فاطمة الزهراء أم أبيها

مقال عقائدي بليغ نستنبط فيه مع الدكتور جابر بغدادي معالم التوحيد الخالص من سيرة السيدة فاطمة الزهراء، محذرين من مزالق العقائد الفاسدة كالجبرية وسقوط التكاليف، ومؤكدين على عقيدة أهل السنة في كرامات الأولياء ومقامات أهل البيت الأطهار.

## عقيدة الاصطفاء الإلهي وكمال العبودية في قلب البتول يا ولدي، إن سيرة سيدتنا ومولاتنا السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليست مجرد سرد تاريخي تلوكه الألسنة، بل هي مدرسة عقدية تتجلى فيها أعمق معاني التوحيد الخالص واليقين الراسخ. لقد أشرقت أنوار ميلادها، رضي الله عنها، قبل نزول الوحي بخمس سنين، في وقت كان فيه عُمُرُ النبي الخاتم خمسة وثلاثين عاماً. وما إن تفتحت مداركها وهي ابنة الخمس سنين، حتى سارعت بقلبها النقي إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. إن هذا السبق في الإيمان يرسخ في قلوبنا عقيدة "الفطرة النقية" التي فطر الله الناس عليها، ويثبت أن الاصطفاء الإلهي لآل البيت الأطهار هو اصطفاء رباني تهيأت له الأرواح. وقد بلغت في حنوها ورعايتها مقاماً عظيماً حتى سُميت "أم أبيها".

وفي زماننا هذا، ترى رجالاً ونساءً قد شاب شعرهم واشتعل الرأس منهم شيباً، وما زالوا يتخبطون في ظلمات الغفلة، ويفكرون في ذنوب كبيرة لا يعرفون كيف السبيل إلى التوبة منها. فإذا أردت أن تصحح بوصلة عقيدتك، فتأمل مسيرة السيدة فاطمة الزهراء؛ فقد كانت حياتها مسيرة طويلة من العبودية الخالصة لله جل جلاله، تثبت لنا أن الاصطفاء لا يغني عن العمل، وأن كمال الإيمان يتجلى في كمال العبودية. ## عقيدة التكليف المستمر: الرد الحاسم على وهم سقوط العبادات وهنا نقف يا ولدي أمام محطة عقدية بالغة الخطورة والأهمية.

يروي الإمام الترمذي (ت: ٢٧٩ هـ) (الإمام الحافظ) أنه لستة أشهر متوالية، بعد زواجها وانتقالها إلى بيت سيدنا الإمام علي بن أبي طالب، كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بنفسه الشريفة كل يوم على حجرة السيدة فاطمة وينادي بصوته الندي: «الصلاة خير من النوم يا أهل البيت، الصلاة الصلاة يا أهل البيت» ⁽¹⁾. إن هذا المشهد النبوي الجليل يضع قاعدة عقدية صلبة، ويهدم من الجذور تلك العقيدة الفاسدة والمفاهيم المنحرفة التي يتوهم أصحابها أن العبد إذا بلغ منزلة عالية من القرب والولاية، أو كان من سلالة آل البيت الأطهار، سقطت عنه التكاليف الشرعية. حاشا لله! فالنبي الأعظم يراجع بضعته في بيتها بعد أن تتزوج، ليؤكد لها وللأمة جمعاء أن العهد الذي بيننا من الالتزام بالفرائض وحق الله لا يتغير بتغير الأحوال. إن الاصطفاء الإلهي لا يعني الدعة، بل يقتضي مزيداً من التكليف، ومزيداً من العبودية لله رب العالمين.

## عقيدة التوكل الحقيقي: تبرئة ساحة الإيمان من داء الجبرية وتتجلى معالم العقيدة العملية في أبهى صورها حين تذهب السيدة فاطمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة بلسان الحال والمقال: "يا رسول الله أنا تعبت من شغل البيت وعايزة خادم".

هنا يتدخل المربي الأعظم ليربط قلبها بمسبب الأسباب، ويروي الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) (أمير المؤمنين في الحديث) كيف أنه استبدل طلبها المادي بمدد غيبي، وعلمها سر التسبيح ⁽²⁾. لقد علمها أن تختم يومها بذكر الله كما تختم الصلاة؛ وكأنه يوجه روحها قائلاً: يا بنتي، إن الوقوف لعمل كنس البيت وطبيخ العيال وغسيل الهدوم، ما دام مصحوباً بالنية الصادقة والذكر، ما هو إلا صلاة، وما هو إلا عبادة. وهنا نضع التدبير الاحترازي العقائدي: إياك يا ولدي أن يزل فهمك فتميل إلى عقيدة "الجبرية" الباطلة، فتظن أن تسليم الأمر لله والتوكل عليه يعني سلب الإرادة وترك الأسباب الدنيوية والجهد البدني! أبداً، فالنبي لم يقل لها اتركي العمل وسيكفيكِ الله بلا سبب، بل أبقاها في كدحها وعملها، لكنه علق قلبها بالله. أتتخيل أن العبادة محصورة فقط فيما يقال أنت راكعة، أو ما يقال أنت ساجدة، أو ما يقال أنت طائفة بالبيت الحرام؟ العبادة هي حركة الحياة كلها إذا تنورت بنور التوحيد والنية الصالحة.

## عقيدة الإيمان بكرامات الأولياء وسر التطهير الرباني وبهذا الذوق الرفيع، ينقل لنا الإمام الحاكم (ت: ٤٠٥ هـ) (حافظ النيسابوريين) بشارة السماء الكبرى، حيث تتجلى عقيدة الإيمان بالغيب والملائكة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جاءني ملك من السماء وأخبرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» ⁽³⁾.

ولم تقف العناية الربانية عند هذا الحد، بل تجلت فيها كرامات الأولياء ومعجزات النبوة الممتدة؛ فقد أورد الإمام الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) (مسند الدنيا) أنها كانت تُلقب بـ "الزهراء" لأنها كانت لا تحيض، وقيل في الأثر النوراني أنها لم تحض في نفاسها قط ⁽⁴⁾.

كانت تلد المولود وقت الظهر، وتتطهر لتصلي العصر! وهنا نؤكد على عقيدة الإيمان بكرامات الأولياء وتطهير الله الخاص لآل البيت النبوي ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾. ولكن وجب التنبيه: إن هذا التطهير الإلهي والاصطفاء الرباني ليس مبرراً للتواكل. فرغم أنها الطاهرة المطهرة، البتول، الشريفة الأنيقة الكاملة، إلا أنها ظلت تعمل وتكدح لتكون حجة على كل مدعٍ.

## عقيدة محبة آل البيت واستنشاق نسائم الغيب ونختتم هذه الرحلة العقدية مع تلك الزهراء أم أبيها، الريحانة، أم الحسنين، الحبيبة. يروي الإمام الطبراني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلما اشتقت إلى الجنة شممت فاطمة» ⁽⁵⁾.

يا ولدي، إن الإيمان بالجنة وما فيها من نعيم هو من صميم عقيدة الإيمان بالغيب التي لا يصح إسلام المرء إلا بها. وهذا الحديث العظيم يفتح لنا بصيرة عقدية على كيفية اتصال الأرواح النبوية بالملأ الأعلى. إن محبة السيدة فاطمة الزهراء، ريحانة النبي، ليست عاطفة مجردة، بل هي من صميم عقيدة محبة رسول الله، ومحبته هي الباب الأعظم الموصل لرضوان الله عز وجل.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.