Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

الأبعاد العقدية في سورة الإسراء وتصحيح المفاهيم: رؤية الشيخ جابر بغدادي

مقال عقدي تفصيلي مستنبط من توجيهات الشيخ جابر بغدادي، يوضح أسرار التنزيه الإلهي في معجزة الإسراء، ويشرح عقيدة أهل السنة في الحياة البرزخية للأنبياء ومشروعية زيارة الصالحين، مع اتخاذ التدابير الاحترازية لضبط الفهم وفقاً لتوحيد الأفعال.

عقيدة التنزيه والثناء الإلهي في مطالع السور
إن المتأمل في سور القرآن الكريم يجد أن فواتحها قد تعددت وتنوعت لحكم ربانية بالغة؛ فمنها ما استهلّه الحق تبارك وتعالى بالثناء والحمد على ذاته العلية، كقوله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾⁽¹⁾، ومنها ما جاء مبدوءاً بالدعاء أو الوعد والوعيد، ومنها ما افتُتح بالحروف المقطعة التي استأثر الله بعلمها.
غير أن سورة الإسراء قد اختصت ببدءٍ عقدي عظيم التجلي؛ إذ افتتحها الله جل جلاله بالتسبيح والثناء على نفسه قائلاً: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾⁽²⁾.
فيا ولدي، إذا رأيت الحق سبحانه وتعالى يُسبّح نفسه، فاعلم علم اليقين أننا بصدد الحديث عن معجزة كبرى تخرق عادات البشر وتتجاوز نواميس الكون.
فالتسبيح هنا هو "التنزيه المطلق" لله تعالى عن العجز والنقص، وإثبات لكمال القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
فالمعجزة لا تخضع لقوانين الفيزياء ولا لمقاييس الزمان والمكان؛ لأن خالق الزمان والمكان هو الذي أجرى الفعل، وهذا من صميم عقيدة توحيد الأفعال؛ أن نعتقد أن المعجزات هي محض فعل الله وقدرته المطلقة.
الإسراء والمعراج: إثبات طلاقة القدرة الإلهية ومقام العبودية
لقد كانت رحلة الإسراء انتقالاً قدسياً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لتعلم أن الدنيا بأسرها لا يُحترم فيها شيء قدر احترام مواطن السجود لله رب العالمين.
وهنا نأتي إلى توجيه عقدي في غاية الأهمية أشار إليه الشيخ؛ وهو أن الناس الذين عظّموا شأن الدنيا في صدورهم وعاشوا أزماتها الطاحنة حتى انطووا في غياهب الاكتئاب، لو أدركوا أن المسجد هو محل نظر الله في الكون، لتبددت همومهم.
لقد طوى الله تعالى مسافات الكون الشاسعة تحت قدم حبيبه المصطفى ، تلك القدم التي سال منها الدم الشريف في الطائف.
وهنا يبرز المعنى العقدي الدقيق: هل طُويت المسافات بقدرة النبي الذاتية؟ حاشا لله، بل طُويت بقدرة الله المطلقة؛ إذ يقول الحق بلسان الحال: يا حبيبي، إن آذوك وضربوك، فإن هذا العالم كله يُطوى لك "بقدرتي".
ويجب هنا أن نتخذ تدبيراً احترازياً شديد الأهمية؛ كي لا يزل الفهم أو يختلط الأمر على العوام: إن طي مسافات الوجود وخرق العادات للأنبياء بالمعجزات، وللأولياء بالكرامات، لا يعني بحال من الأحوال أن العبد يمتلك قدرة ذاتية مستقلة عن الله، بل هو متحقق بوصف "العبودية" الصرفة.
فكلما ازداد العبد تذللاً وافتقاراً لله، أجرى الله على يديه من عجائب قدرته ما يشاء.
فالمنفرد بالفعل والتصرف هو الله وحده، والعبد إنما هو محل لظهور تلك التجليات الإلهية، وهذا هو الفهم الصحيح الذي يحمي المسلم من مزالق الغلو وإشراك العباد في صفات رب العباد.
عقيدة أهل السنة في الحياة البرزخية للأنبياء
ثم ينتقل بنا السياق إلى مشهد من أعظم مشاهد الإسراء، حيث يكشف لنا النبي عن حقيقة عقدية راسخة طالما حاول بعض المتنطعين التشكيك فيها؛ وهي حقيقة "الحياة البرزخية".
فقد أخبرنا الصادق المصدوق قائلاً: «مَرَرْتُ علَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي عِنْدَ الكَثِيبِ الأحْمَرِ، وَهو قَائِمٌ يُصَلِّي في قَبْرِهِ»⁽³⁾.
وهنا يطرح التساؤل العقدي نفسه: هل الأنبياء أموات كسائر الموتى الذين انقطعت أعمالهم؟ يجيبنا هذا الحديث الصحيح القاطع بأن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون، وهي حياة برزخية حقيقية تليق بمقامهم، تختلف في كيفيتها عن الحياة الدنيوية، ولكنها حياة ثابتة يُرزقون فيها ويتعبدون لله.
ولا ينبغي الالتفات إلى أولئك الذين شذوا عن إجماع الأمة وحاولوا تضعيف أو تأويل هذه الأحاديث الثابتة بحجة سد الذرائع أو خوف الشرك.
فعقيدتنا أن الأنبياء أجسادهم لا تبلى، وأرواحهم متصلة بالله في برازخ النور.
زيارة الصالحين: مشروعية الاستمداد الروحي بلا غلو
يُشير الشيخ في توجيهاته إلى أن مرور النبي على برازخ الأنبياء ومقاماتهم لم يكن عبثاً، بل كان ليفهم الناس أن معارج المنن والمواهب اللدنية تتأتى بالتعلق بالصالحين والمرور على مقاماتهم.
فلم يُفوت النبي وهو المندوب إلى العُلى أن يشير إلينا بأهمية زيارة الصالحين، الأحياء منهم والمنتقلين.
ولكي يستقيم الفهم العقدي هنا ولا ينحرف نحو المفاهيم الخاطئة، نضع هذا التحذير والبيان الشافي: إن زيارة الصالحين والتعلق بهم لا تعني عبادتهم من دون الله، ولا تعني أنهم يملكون ضراً أو نفعاً استقلالاً من دون إذن الله.
بل المعنى الصحيح لعقيدة التوسل والزيارة أننا نتقرب إلى الله بمحبتهم، ونرجو من "الله" أن يفيض علينا من رحماته وبركاته في تلك البقاع التي طالما عُبد الله فيها.
فالصالحون هم قنوات ومحال لنظر الله، ونحن نقف بأبوابهم لنسأل "الله" وحده ببركة هؤلاء الذين أطاعوه.
فالفاعل هو الله، والمعطي هو الله، والمانع هو الله، والمزور مجرد عبد صالح نُشهد الله على حبه؛ فتتحقق بذلك عقيدة التوحيد الصافية متناغمة مع رقة القلب ومحبة أولياء الله دون إفراط أو تفريط.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 4 دقائق