Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

تجليات العقيدة في معجزة شق الصدر: عصمة القلب وكمال اليقين

مقال عقائدي وروحاني بليغ، يُستنبط من نفحات الشيخ جابر بغدادي، ليغوص في الأسرار العقدية لحادثة شق صدر الحبيب المصطفى، مبيناً عقيدة أهل السنة في عصمة القلب النبوي، وحقيقة المعجزات الحسية، وطلاقة القدرة الإلهية التي أهلت النبي لتلقي الكمالات الربانية.

عصمة القلب النبوي: بين الواردات الربانية وتنزيه الذات
إن من أصول عقيدتنا الراسخة يا ولدي، الإيمان الجازم بعصمة الأنبياء والمرسلين، وتنزيه قلوبهم عن كل ما يشوب الفطرة أو يكدر صفاء الصلة بالله جل جلاله.
وحين نتأمل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾⁽¹⁾، نجد إشارة عقدية دقيقة وعميقة؛ فقد خصّ الحق سبحانه وتعالى "الصدر" بالشرح والتوسعة ليتلقى علوم الحق ويفيض برحمة الخلق.
ولعلك تتساءل في قرارة نفسك: لماذا لم يقل الحق سبحانه "ألم نشرح لك قلبك"؟
السر هنا، يا ولدي، يكمن في عقيدة التنزيه؛ فالصدر في تكوين الإنسان هو ميدان توارد الهموم، ومحل احتمالية الوسوسة، وهو الباحة التي تتوارد عليها أفعال الخلق.
أما القلب النبوي، فهو الحرم المقدس، والمستقر الطاهر لواردات الرب الجليل.
فكأن الآية الكريمة تقرر حقيقة عقدية مفادها "عصمة ذلك القلب"، وأنه منفي عنه تماماً، ومستحيل عقلاً وشرعاً، أن يتطرق إليه أدنى كدر أو وسوسة.
وصدره الشريف معصوم كذلك، غير أن الله شرحه ووسعه حتى لا يضيق بأعباء الرسالة وأفعال العبادة، ليكون مهيئاً لتحمل التجليات الإلهية.
الإيمان بالمعجزات الحسية: شق الصدر حقيقة مادية لا مجاز
من ركائز الإيمان بالغيب في عقيدة أهل السنة والجماعة، الإيمان والتصديق الجازم بالمعجزات الحسية التي أجراها الله على يد أنبيائه، وعدم تأويلها تأويلاً يصرفها عن حقيقتها المادية إلى مجازات عقلية محضة.
وحادثة "شق الصدر" هي من صميم هذه المعجزات التي يجب الإيمان بوقوعها جسدياً وروحياً.
وقد روى لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم تفاصيل هذه المعجزة وهو في كامل وعيه النبوي، قائلاً في الحديث الشريف⁽²⁾: «إِذْ أَتَانِي آتٍ فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ...وَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي».
إنها معجزة تفوق قوانين الطب والفيزياء؛ ففي عالم الأسباب، يحتاج الإنسان لجراحة القلب المفتوح إلى أجهزة معقدة تملأ الغرفة، وتبقى لحظة الإفاقة مرهونة بمشيئة الله، لا يملك فيها الطبيب نفعاً ولا ضراً.
أما في ميزان القدرة الإلهية، فقد شُق صدر النبي، واستُخرج قلبه، وغُسل، ثم أُعيد، وفي لحظة واحدة طُويت له الأكوان، وعبر أفلاك السماء، ودنا من ربه دنواً لم يبلغه أمين الوحي جبريل عليه السلام.
كل هذا وقواه البشرية ثابتة لم تتهتك، وعاد وفراشه لا يزال دافئاً.
هذا هو الإيمان الحق بقدرة الله التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
تنزيه الفطرة النبوية: حقيقة استئصال حظ الشيطان
هنا نقف أمام مسألة عقدية بالغة الدقة، تتعلق بفهم المراد من استخراج "حظ الشيطان".
فقد جاء في الرواية الصحيحة أن الملائكة أخرجوا من قلبه الشريف علقة⁽³⁾.
يجب عليك يا ولدي أن تحذر من الفهم القاصر الذي قد يُوهم أن قلب النبي كان يحوي شراً أو شيطاناً، معاذ الله! فهذا فهم يقدح في أصل العصمة.
إنما الحقيقة العقدية هنا هي أن هذه العلقة هي "الفطرة الكونية" والجبلة الإنسانية التي يُخلق بها كل إنسان، فهي بمثابة البوابة الافتراضية التي قد يتسلل منها الشيطان.
لكن العناية الإلهية تدخلت فاستأصلت هذه البوابة من جذورها في ذات النبي المختار، فلم يعد للشيطان أي منفذ إليه.
ولأهل المعاني والتحقيق إشارة بديعة هنا؛ فقد قيل إن هذا الاستئصال لم يكن خوفاً من أن يوسوس له الشيطان، بل خوفاً من أن يشفع له النبي! نعم، استؤصلت المضغة حتى لا تقترب عين الرحمة المحمدية من إبليس فترحمه، إذ ما من شيء دخل قلب النبي إلا ونالته الرحمة.
وهذا تصديق لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾⁽⁴⁾، والقلب السليم على الإطلاق هو قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ميزان الكمال البشري: بشر يوحى إليه
وتتجلى عقيدتنا في مقام النبوة في التوازن العجيب بين إثبات "البشرية" وإثبات "الكمال المطلق" لهذه البشرية.
ففي مشهد الغسل، يأمر ميكائيل جبريل عليهما السلام أن يزن قلب النبي برجل من أمته، ثم باثنين، ثم بمائة، فيرجح قلبه الشريف بهم جميعاً⁽⁵⁾.
بل لو وُزن برجال كإبراهيم وإسماعيل وموسى وهارون لرجح بهم، حتى قال ميكائيل: "دعه، فلو وزنته بالأمة لرجح".
هذا المعنى، يا ولدي، هو الترجمة العملية للآية الكريمة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾⁽⁶⁾.
فنحن نعتقد أنه بشر، لا نرفعه إلى مقام الألوهية، ولا ننزله إلى مرتبة العوام.
هو "مثلنا" في أصل الخلقة البشرية، لكنه "ليس كمثلنا" في الاصطفاء والكمال والمقام.
قلبه الشريف امتلأ نوراً ليرى نور الله، واتسع رحمة ليسع خلق الله أجمعين.
طلاقة القدرة الإلهية: حكمة الأسباب ومحض الفضل
ختاماً يا ولدي، يجب أن نُرسّخ في قلوبنا عقيدة "طلاقة القدرة الإلهية"، ونحذر من الانزلاق في الفهم الجبري أو ربط أفعال الله بالأسباب ربطاً حتمياً.
فقد يتبادر إلى الذهن سؤال: ألم يكن الله قادراً على أن يمنح نبيه هذا اليقين والكمال والاتساع دون حاجة لشق صدره مادياً؟
الجواب العقدي القاطع: بلى، كان الله قادراً جل جلاله على أن يعطيه كل ذلك دون شق أو جراحة.
لكن الحكمة الإلهية اقتضت اتخاذ هذه الأسباب المادية لغايات عظمى؛ منها زيادة اليقين في المشاهدة، وتأهيله الجسدي والروحي لتلقي "الكمالات الإلهية" تمهيداً لرحلة الإسراء والمعراج.
ومن الأدلة على مادية الحدث ما أخبرنا به سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه حين قال عن أثر المخيط في صدره: "وَأَنَا رَأَيْتُ أَثَرَ ذَلِكَ"⁽⁷⁾، وما فزعت منه السيدة حليمة السعدية رضي الله عنها حين ظنت أنه قُتل⁽⁸⁾.
لقد جرت المقادير هكذا لتُعلمنا أن الله يخلق الأسباب، وهو سبحانه المُسخّر لها، والفعّال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5 دقائق