عقيدة الأنس بالله وتوحيد الأفعال: قراءة عقدية في طي الزمان لفتية الكهف وكرامات الأولياء عند الدكتور جابر بغدادي
عقيدة توحيد الأفعال:
الزمان مخلوق يسجد لإرادة الخالق اعلم يا ولدي، نور الله قلبك بنور التوحيد الخالص، أن الزمان والمكان إنما هما من جند الله ومخلوقاته، يجريان بأمره ويقفان بمشيئته. ومن صميم عقيدتنا الراسخة أن نفرد الله سبحانه وتعالى بتوحيد الأفعال؛ فلا فاعل في الكون على الحقيقة سواه. فإذا تجلى الحق سبحانه بمقام الأنس على قلب عبد من عباده، سلب من الأشياء خواصها المعهودة لتتجلى قدرة المعبود. وتأمل بعين بصيرتك العقدية في حال فتية الكهف؛ لقد غابوا في أنوار الحضرة الإلهية، فتوقف في حقهم جريان الزمن، ولم يدروا كم لبثوا، وقد سطر الحق إقامتهم في كتابه قائلاً: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾⁽¹⁾.
ثلاثمائة وتسع من السنين انقضت وفق حسابات الفلك، ولكن الإنسان حينما يكون قابعاً في كنف الحق، تنطوي له المسافات والأزمان، حتى قاموا من رقدتهم يتساءلون: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾⁽²⁾. نعم أيها المريد، فهو حال الأنس، إن حصل سجد الزمن وتوقف الوقت. وهنا وجب التنبيه العقدي الحازم: إن سجود الزمن وتوقفه ليس لخصيصة ذاتية في العبد، بل هو محض افتقار العبد وضعفه الذي استجلب قدرة الخالق المطلقة. فالله هو الذي يثبت الحساب، وهو الذي ينزل أنواراً وأسراراً لا تدركها العبارة، وصار العبد نزيل مواقيت الحقيقة الإلهية لا مواقيت المجاز الدنيوي. إن الاعتقاد بأن العبد يملك طي الزمان بقوته الذاتية هو خروج عن جادة الصواب، بل العقيدة الصحيحة أن الله هو من يطوي الزمان لعبده اصطفاءً وتكرماً.
اللجوء إلى أسماء الله الحسنى:
بين ضعف العبد ولطف الرب ولما أوى أهل الكهف إلى ربهم، كان لجوؤهم عقيدة عملية تتجسد في تفويض الأمر للخالق. لذلك، استنبط العارفون من قوله تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾⁽³⁾، وليس "فاذهبوا"، دلالة الاحتماء بأسماء الله وصفاته. فالمأوى هنا هو كنف الله المحيط. "حاشا لكريم أن يردهم عطشى وقد وفدوا واصل الجود من ذا المنبع"، وحاشا لرب جليل أن يأوي إليه عبد إلا آواه. وهنا تتجلى حقيقة عقدية كبرى: حينما يأوي العبد إلى الله متجرداً من حوله وقوته ومعترفاً بالضعف، يأوي الله إليه بصفة اللطف. وفي هذا التجلي، يخرج العبد من معيار الزمن، ومن معيار الكيف والكم. يسجد له الوقت وينصرف عنه المقت؛ لا بقوة العبد، بل بعظمة الرب المتجلي. وتصير حساباته هي حسابات الحقيقة المستمدة من الإيمان بالغيب، لا حسابات الدنيا المادية ولا حسابات الطرائق القاصرة. هذا هو التوحيد الخالص؛ أن تشهد المُنعم في النعمة، وأن تشهد المُطوي في طي الزمان.
الإيمان بكرامات الأولياء وانعكاس النور على من جالسهم
ومن المعتقد الثابت عند أهل السنة والجماعة إثبات كرامات الأولياء، وأنها ثمرة من ثمار الاستقامة ومعية الله. فإذا أراد المرء أن يغدو ويروح والزمن من جملة خدامه، فليكن مع الله، أو فليكن في معية من هو مع الله. ويضرب لنا القرآن الكريم أروع الأمثلة في توضيح هذه العقيدة بمثال "الكلب" الذي صحب أهل الكهف. فالكلب لم يكن يمتلك عقلاً يدرك به مقاصد التوحيد، ولم يكن يعرف إلى أي مأوى يأوون، غير أن الروح التي خلقها الله فيه استشعرت أن هؤلاء قادمون على رضوان من الله. فآوى كما أووا، فكان الجزاء الإلهي أن حسبه الله عليهم ونسبه إليهم وذكره في كتابه. وفي هذا رد قاطع على من ينكر فضل صحبة الصالحين؛ فإن الله معهم، وما عده الحق معهم إلا لأن وعده نافذ فيمن جالس أهل معيته. وهذه الكرامة للتابع إنما هي فرع عن كرامة المتبوع، وكلها تعود إلى محض الفضل الإلهي الذي لا يحده حد ولا يمنعه مانع.
عقيدة الصبر الجميل واللجوء لله في زمن الفتن أيها المحب
إننا نعيش في وقت غاية ما فيه الأنكاد والمتاعب والهموم والضجر. والعقيدة الصحيحة هنا ألا تركن إلى الأسباب الدنيوية وتنسى مسبب الأسباب. إن الله سبحانه وتعالى يأويك حينما تأوي إليه، بما ينسيك مشاكلك. وكلما تليت الصلوات والأذكار معتقداً أن النفع والضر بيد الله وحده، وصل الإنسان إلى استشعار الفرج في وقت يدعو كله إلى اليأس. ولذلك أمر الحق نبيه والمؤمنين بالثبات على هذه العقيدة قائلاً: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾⁽⁴⁾.
فالصبر هنا ليس مجرد تحمل للمشاق، بل هو يقين عقدي بأن مأوى هؤلاء الصادقين هو الجنة، وأن منازلهم في الدارين هي منازل الرضا بقضاء الله وقدره.
تنزيه الخالق في خرق العوائد:
كرامات السلف في قهر الزمان وهنا قد يقف العقل المادي البحت ليتساءل في استنكار: كيف يتسنى لأقطاب الأمة أن يطووا الزمان؟ كيف كان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه⁽⁵⁾ يختم القرآن في ركعة بليلة؟ وكيف كان يتأتى لإمام المحدثين الإمام البخاري⁽⁶⁾ أن يختم القرآن في ليلة؟ وكيف كان الإمام الشافعي⁽⁷⁾ يختم القرآن في ليلة؟ وهنا يجب أن نرسخ التدبير العقدي الاحترازي الصارم: إياك يا ولدي أن تعتقد أن أحدهم كان لديه من القوى الجسدية الخارقة المكتسبة ما يجعله يغلب الزمن! فإن نسبة الفاعلية للقدرة البشرية الذاتية هو شرك خفي ومناقض لتوحيد الأفعال. بل الحقيقة العقدية الناصعة أنه ليس لديهم من القوى الذاتية شيء، غير أن الحق سبحانه اجتباهم إلى الأنس، واصطفاهم لذلك الأنس.
إن طي الزمان لهم هو "خرق للعادة" أجراه الله على أيديهم تكريماً لصدقهم، فتلزموا في حرم الحق، وألغوا إرادتهم في إرادة مولاهم، فأجرى الله على أيديهم ما تعجز عنه العقول المادية. فمن أخلص التوحيد لله، وأفرد ربه بالأفعال، وتبرأ من حوله وقوته، تجلت عليه كرامات الأنس، وصار الزمان والمكان مطاوعين لأمر ربهم في خدمة وليه. هذه هي عقيدة أهل الحق، تنزيه للخالق، واعتراف بفضله المطلق على المخلوق.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (كيف نصل إلى الأنس بالله: أسرار من سورة الكهف وطي الزمان لأهل العرفان)المقالات
- للتعمق في الجانب الروحي وتزكية النفس لهذا الموضوع، راجع هذا المحتوى (مقامات الأنس بالله وعلاج أمراض القلوب: إشراقات سلوكية من سورة الكهف في مدرسة الدكتور جابر بغدادي)التزكية والتصوف
- للاطلاع على الآيات والأحاديث الموثقة في هذا الفيديو، قم بزيارة موسوعة التوثيق العلمي الشاملة (تفريغ وتوثيق أكاديمي لمقطع كيف نصل إلى الأنس بالله للشيخ جابر بغدادي)التوثيق العلمي
- يمكنك قراءة إجابة مستنبطة من حديث الشيخ في هذا الفيديو من هنا (حيرة الغارق في ضيق الوقت وثقل الهموم: كيف أجد الأنس بالله في زمن التشتت؟)الأسئلة
