عقيدة التوحيد الخالص: أسرار الأحدية والنجاة من الشرك الخفي
حصن التوحيد والملاذ بأسماء الجلال
إن جوهر العقيدة يا ولدي يكمن في إفراد الله بالوحدانية، فالإخلاص، وسورة الإخلاص، عِصمةٌ متينة وحصن منيع من مكايد الشيطان.
ولست أدري لماذا ترى الناس دائماً غافلين عن أصل عقيدتهم، يذهبون جيئة وذهاباً يطرقون أبواب المواقع والصفحات التي تدعي فك السحر ودفع الضر، والمفتاح بين أيديهم؟! إن لم تكن عقيدتك راسخة فليس عندك الحل.
لُذ يا بني بالأحدية، واحتمِ بالواحدية، واعتصم بالصمدانية، وتدثر بالفردانية.
قُل بلسان الموحد المفتقر: "يا واحد، يا أحد، يا فرد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، لا إله إلا أنت، فرج عني ما أنا فيه".
فهذا هو المعين الصافي للعقيدة الصحيحة.
وقد أصل ساداتنا من أهل الله هذا الفهم العقدي الدقيق؛ حيث بَيَّن الإمام ابن عطاء الله السكندري ⁽¹⁾ (ت ٧٠٩ هـ، تاج الدين وقطب العارفين) أن التوحيد هو روح العمل حين قال: "الأعمالُ صُوَرٌ قائمةٌ، وأرواحُها وجودُ سِرِّ الإخلاصِ فيها".
فإن تعسر عليك تحقيق هذا المقام، فاعلم أن من أراد الإخلاص فليقرأ سورة الإخلاص.
وقد صرح الإمام أبو الحسن الشاذلي ⁽²⁾ (ت ٦٥٦ هـ، مؤسس الطريقة الشاذلية) بقوله: "من أراد أن يُطهر قلبه فليقرأ سورة الإخلاص".
ويزيد الإمام الجنيد ⁽³⁾ (ت ٢٩٨ هـ، إمام الطائفتين) الأمر وضوحاً فيقول: "من داوم عليها سقطت عنه الأغيار".
أما الإمام ابن عجيبة ⁽⁴⁾ (ت ١٢٢٤ هـ، العالم الرباني المفسر)، فقد كشف عن حقيقتها العقدية قائلاً: "هي ماء الحياة في القلب، لأنها تُعيد إليه فطرته السليمة".
مقامات العقيدة والتداوي بماء التوحيد
لتجعل من هذه السورة دواءً لعقيدتك وقلبك، داوم عليها حتى يفيض باطنك بثلاثة أحاسيس تجسد حقيقة التوحيد:
الأولى: ألا أرى لنفسي فضلاً على غيري؛ فالمنة لله وحده،
والثانية: ألا أرى لنفسي عند طاعة ربي أجراً على عملي؛ فالتوفيق منه وإليه،
والثالثة: ألا أرى لعملي مَزيّة أَمُنُّ بها على ربي جل وعلا.
فإنك حين تقرأ هذه السورة، تلج في بحار أربعة معانٍ من التوحيد الخالص: المعنى الأول: معنى الأحدية المكنون في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، والمعنى الثاني: معنى الصمدية في ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، والمعنى الثالث: معنى الواحدية في ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، والمعنى الرابع: معنى الفردانية في ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾.
فسر الإخلاص وعماد العقيدة يكمن في الشهود التام للأحدية، والواحدية، والصمدية، والفردانية.
وإذا أردت يا بني أن تكون موحداً مخلصاً حقاً، فتأدب مع كونه واحداً فلا تلتفت إلى غيره، وتأدب مع كونه أحداً فلا تُشرك في ذاته أحداً، وتأدب مع كونه صمداً فلا تطلب من غيره، ولا تطلب غيره، ولا تطلب منه غيره، إذ ليس على فردانيته غيرك.
وتأدب مع كونه ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾ فلا تعتمد على سواه.
لو أنك تعيش في ظلال هذه المعاني الأربعة، فقد استدعيت سقوط الأغيار، واستدعيت طهارة القلب حتى من شهود الأنوار لتشهد المكوّن لا المكوّنات، واستدعيت ماء الحياة والفطرة السليمة للقلب.
واعلم يا ولدي أن (أحد) تعني: أن ذاته أحدية، لا تقبل التبعيض ولا التجزئة.
و(واحد) تعني: أن ذاته واحدية، لا تقبل التعداد.
و(صمد) تعني: أنه السيد الذي لا جَوف له ولا نِدَّ له، وكل موجود إليه محتاج، فيقضي حوائجهم وهو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد.
و(لم يكن له كفواً أحد) تعني: أنه لا مثيل له ولا شبيه له في ملكه سبحانه.
عقيدة الاجتباء: بين العبد المُخلِص والمُخلَص
ولما ارتقى أهل الله إلى مقامات التوحيد والإخلاص، حَلَّ عليهم من بركات هذا الاعتقاد أمر عجب.
تأمل يا ولدي توعد الشيطان لآدم وذريته حين قال للحق: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فاستثنى الله أهل التوحيد والاصطفاء قائلاً: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ⁽⁵⁾.
ولما مَرَّ النبي ﷺ على رجل وهو يدعو الله بقلب امتلأ بالتوحيد قائلاً: "اللهم إنك أنت الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، لا إله إلا أنت"، قال المصطفى ﷺ مبيناً سر هذه الأسماء: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» ⁽⁶⁾.
وهنا يُطرح تساؤل عقدي دقيق: هل العصمة للمُخلِصين أم للمُخلَصين؟ وما الفرق بين المُخلِص (بكسر اللام) والمُخلَص (بفتح اللام)؟ الجواب يكمن في سر التوحيد؛ فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب، المهتدي "مُخلِص" يجاهد نفسه، والمجتبى "مُخلَص" أقيم في مقام الحفظ، لأنه تيقن يقيناً جازماً أنه لا حول للعبد ولا قوة في إخلاصه إلا بالله.
فمن احترقت بداياته بصدق التوجه والإخلاص، أشرقت نهاياته بالتخليص.
المخلصون سائرون إلى الله، والمُخلَصون هم أهل الاجتباء في حضرة الله تعالى.
وهنا يا ولدي وجب التنبيه والتحذير من مزلق عقدي خطير، فقد يظن ظانٌّ أو يتوهم متوهم من قولي "لا حول للعبد ولا قوة في إخلاصه" أن هذا يوافق (عقيدة الجبرية) الباطلة، التي تسلب العبد إرادته وتزعم أنه كالموجة في البحر لا خيار له.حاشا لله! بل عقيدتنا الصافية أن العبد مُطالب بالعمل والمجاهدة واستفراغ الوسع في تهذيب نيته ليكون (مُخلِصاً)، فإذا صدق في هذه المجاهدة ورأى افتقاره لربه، تفضل الله عليه بمحض جوده ورقاه إلى مقام الاصطفاء ليكون (مُخلَصاً).
فالفضل لله ابتداءً وانتهاءً، والعبد مختار ومكلف بالبدايات ليُكرم بالنهايات.
ولتنظر إلى برهان هذه العقيدة في نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ⁽⁷⁾.
فالمُخلَص مصروف عنه فعل السوء، محفوظ عن مكايد النفوس، معصوم عن الانزلاق؛ هي هَمَّت به لتجذبه وتكذبه، وهمَّ بها ليدفعها عنها، فهي هَمَّت في الطلب لغفلتها، وهو هَمَّ في الهرب لتوحيده.
محبة الصفات الإلهية رُبع العقيدة
وقد تجلى هذا اليقين العقدي حين مَرَّ جماعة من أصحاب النبي ﷺ على رجل في الصلاة، كان كلما افتتح سورة يقرأ بسورة الإخلاص، فذهبوا إلى سيدنا النبي ﷺ وقالوا له: "يا رسول الله، إن فلاناً كل ما صلى يقرأ بسورة الإخلاص".
فدعاه سيدنا النبي وقال له: "يا هذا، بيقولوا إنك كلما تصلي تصلي بسورة الإخلاص،فما الأمر وما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟"، فأجاب الرجل بلسان الموحد المحب لصفات ربه: "يا رسول الله، إني أحبها".
فقال له المصطفى ﷺ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ» ⁽⁸⁾.
لماذا؟ لأن هذا الحب يعدل ثلث القرآن، بل قيل إنها رُبع العقيدة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
ولما جاء المشركون لسيدنا النبي ﷺ يطلبون محاضرة في التوحيد والعقيدة كاملة، وقالوا له: "صِف لنا ربك"، نزل الوحي القاطع: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
ولذلك قلت فيها قبل ذلك: "وقُل أتت لنا لطيفة..أحدية أسرارها شريفة".
فيا بني، كلما مررت على كلمة ﴿قُلْ﴾ في القرآن، فقف، وانتبه، وتأمل أسرار التوحيد فيها.
الشرك الخفي وانهيار صور الأعمال
وهنا يُرسي النبي ﷺ قاعدة عقدية تُزلزل القلوب الغافلة وتقتلع جذور الشرك الخفي (الرياء).
فمن الحُمق المردي يا عباد الله أن تعبد الله بعبادةٍ وجهك فيها إلى الخلق، وتظن أنك تعبد الحق! إن هذا ينافي أصل التوحيد.
أول ثلاثة سيقفون أمام ربنا سبحانه وتعالى للحساب يوم القيامة، هم ثلاثة من أجلّ الناس عملاً في ميزان الظاهر ⁽⁹⁾.
أول واحد فيهم: الشهيد، يوقفه الله ويُذكره بنعمه عليه، فيقول له: "ماذا فعلت حيال نِعَمي عليك؟"، فيقول مفاخراً: "قاتلت وجاهدت في سبيلك، فقاتلت فَقُتِلت في سبيل الله".
فيأتيه الرد الصاعق الكاشف لحقيقة نيته: "قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ"
نعم المنطوق والحكم هنا أنه سبحانه حَكَم على هذه الشهادة أنها مجرد صورة ليس لها حقيقة عنده، لما؟ لعدم وجود سر التوحيد والإخلاص فيها، "وقد قيل!" فادخل النار.
الثاني : واحد عالم، ملأ طباق الدنيا علم، اوقفه الله وسأله: "ماذا فعلت؟"، قال: "تعلمت العلم فيك وقرأت القرآن من أجلك".
فقال له العزيز الخبير: "كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.".
وثالث من؟، قالوا: "واحد الله اعطاه من واسع فضله"،وماذا فعل اسس مؤسسة خيريه، ليطعم الناس ويسقيهم الناس ويُسعد الناس ويُكسي الناس.
فجِيء بالغني المنفق في سبيل الله، فسأله ربه: "ماذا فعلت من أجلي؟"، قال له: " مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ".
فيكشف الله شركه الخفي: " قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ".
فاحذر يا ولدي من الشرك الخفي، واجعل عقيدتك ويقينك وعملك خالصاً لوجه الأحد الصمد، فإنه لا نجاة إلا بالتوحيد الخالص وسر الإخلاص.
محتوى مستنبط من الفيديو نفسه
قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.
- يمكنك قراءة مقال مفصل حول موضوع هذا الفيديو من خلال هذا الرابط (سر الإخلاص وأرواح الأعمال: رحلة في ظلال الأحدية وحصن الصمدانية)المقالات
