Islamic geometric pattern background
Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة العقيدة

عقيدة الرضا بالقدر واليقين المطلق: قراءة في حقيقة العبادة المشروطة

مقال عقدي بليغ يستنبط توجيهات الدكتور جابر بغدادي حول عقيدة الإيمان بالقدر، والرضا عن الله في الابتلاء، والتحذير من العبادة المشروطة، مع بيان الحكمة الإلهية في تمحيص القلوب وتنزيه أفعال الله جل جلاله عن العبث والظلم.

عقيدة الإيمان بالقدر والرضا في غياهب الفقد والمحن
يا ولدي، إن من أصول العقيدة الراسخة التي يجب أن ينعقد عليها قلب المؤمن، هي عقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره.
فكثيرةٌ هي تلك البيوت التي أظلم فيها النور، وانطفأ ضياؤها إثر فقد عزيز، فتعالت في جنباتها صرخات اللعن والطعن، وتجلى فيها عدم الرضا عن الله جل جلاله.
وفي تلك اللحظات الحرجة، تفر الملائكة من حياة ذلك الإنسان، إذ كيف تتنزل السكينة في قلب ينازع ربه في حكمه ويشكك في عدله ومشيئته؟
إن كثيراً من البيوت قد خيم عليها الشقاء حين فقد الإنسان وظيفةً، أو مُني بخسارة في شركة أو عمل، فكانت الفاجعة الكبرى عقائدياً أنه فقد علاقته بربه سبحانه، وذاك لعمري هو الخسران الأكبر.
إن الخسارة الأولى في موازين الدنيا قد تنقلب في ميزان الغيب لتكون نجاحاً أكبر، وقد تغدو خسارة فادحة تورد صاحبها المهالك؛ فليس من صحيح العقيدة أن تخسر صلتك بخالقك لمجرد أنك فقدت رزقاً دنيوياً، وليس من اليقين أن تتعثر أو تفشل في علاقة زوجية فتفرط في حبل الله، ولا يعني أن يهدر الناس حقك ويظلموك أن تتحول إلى مجرم ناقم وتخسر بذلك رضوان ربك ومقام التوحيد في قلبك.
حقيقة العبادة المشروطة وخطر التزلزل العقائدي
يضع الحق تبارك وتعالى ميزاناً عقدياً دقيقاً في محكم التنزيل، واصفاً صنفاً من الناس تذبذبت عقائدهم وارتبط إيمانهم بالمنفعة العاجلة، يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾⁽¹⁾.
وتأمل يا ولدي دقة اللفظ القرآني العقدي، إذ قال: ﴿فِتْنَةٌ﴾ ولم يقل "شراً"؛ لأن الفتنة في لسان الشرع هي الاختبار والتمحيص، وليست محض شر يعاقب به العبد.
إن العبادة "على حرف" تعني الإيمان المهزوز الذي يقف صاحبه على حافة الشك، كمن يعبد الله على شرط التجربة والمقايضة الدنيوية.
ولقد نزلت هذه الآية الكريمة في مجموعات من القبائل التي كانت تقطن حول المدينة المنورة؛ حيث أقبل بعضهم متخذاً الإسلام ديناً بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم أخذوه على شرط المنفعة.
جاؤوا يشكون حالهم، قائلين بلسان الحال والمقال ما يتنافى مع كمال التوحيد: "يا رسول الله، إننا بعد أن دخلنا في هذا الدين، عَقُمت نساؤنا فلم يلدن، وخسرنا أموالنا، ووهنت صحتنا من حُمَّى المدينة، حتى خيلنا لم تُنجب!"⁽²⁾.
وفي سياق بيان أسباب النزول التي رواها حبر الأمة عبد الله بن عباس (ت: 68 هـ)، أن رجلاً من اليهود أقبل إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه، وما هي إلا فترة وجيزة حتى توالت عليه الابتلاءات؛ فكُفَّ بصره، ومات ولده، وخسر ماله، فعاد أدراجه إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم طالباً الإقالة، وقال بجهالة تتنافى مع أبسط قواعد الإيمان: "حُلَّني من هذا الدين!" فسأله النبي صلى الله عليه وسلم مستفسراً، فأجاب: "لأنني منذ أسلمت، كُفَّ بصري، ومات ولدي، وضاع مالي"، فأنزل الله عز وجل بياناً لحاله وحال أمثاله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾.
الحكمة الإلهية في تمحيص القلوب وتنزيه الخالق عن الظلم
وقد يتساءل أحدهم في لحظة ضعف، وبنبرة يملؤها الشك العارض: "إنني منذ أن بدأت أقيم الصلاة وأسلك طريق الهداية، والدنيا تشتد عليّ وتضيق، فهل العيب في القرآن؟" وهنا يا ولدي يتوجب علينا الوقوف بحزم لضبط البوصلة العقدية واتخاذ التدابير الاحترازية في فهم أفعال الله؛ فالحق جل جلاله منزه عن العبث والظلم، وتوالي الابتلاءات على المؤمن الصادق لا يعني بحال من الأحوال إقرار "العقيدة الجبرية" الفاسدة التي تصور الله وكأنه يجبر العباد على الشقاء بلا غاية، حاشا لله! بل الابتلاء هو عين الحكمة والرحمة الخفية.
إن الله سبحانه وتعالى لا يسلبك إرادتك ليُعذبك، بل يضع معدنك في نار المحن ليحرقه بحكمةٍ بالغة، حتى ينجلي جوهرك الأصيل وتصفو روحك من شوائب التعلق بغيره، ويثبت توحيدك له في السراء والضراء.
ألم تقرأ قول الحق جل وعلا الذي يقرر هذه السنة الكونية المستمرة: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾⁽³⁾؟ فالفتنة هنا دلالة على كمال عدل الله في تمييز الصادق من الكاذب في دعوى الإيمان.
عقيدة الأنبياء في مواجهة البلاء وضريبة الوصل الإلهي
ويا ولدي، استقرأ سير الأنبياء لتعلم أن "ولا تحسبن الوصل سهلاً مناله"⁽⁴⁾؛ فإن طريق التوحيد الخالص محفوف بالمكاره والمحن لرفع الدرجات لا لتقرير العقوبات.
تذكر عقيدة أنبياء الله وأصفيائه الذين تجرعوا كؤوس البلاء من قبلنا بيقين لا يتزعزع؛ فهذا نبي الله نوح عليه السلام قد ناح طويلاً في دعوة قومه وصبر على أذاهم، وهذا نبي الله زكريا عليه السلام قد شُق بالمنشار نصفين ولم يرتد عن توحيده، وهذا نبي الله يحيى عليه السلام قد قُتل وصبر على قضاء الله راضياً مُسلماً!
ألم يطرق سمعك قول الحق جل وعلا وهو يُسلي نبيه والمؤمنين، ويقرر قاعدة عقدية في سنن الابتلاء: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾⁽⁵⁾؟
فيا أيها المريد الصادق، إياك أن تتزلزل عقيدتك عند أول عثرة دنيوية، واحذر أن تكون ممن قال الله فيهم ختاماً لبيان حال المتذبذبين عقدياً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾⁽⁶⁾.

محتوى مستنبط من الفيديو نفسه

قراءات وأسئلة أخرى أُعدت اعتمادا على الحديث نفسه.

وقت القراءة 5 دقائق